الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٨٢ - التّفسير
المحراب من «الحرب» سمّي بذلك لأنّه موضع محاربة الشيطان و الأهواء.
و الآخر: إنّ المحراب صدر المجلس، ثمّ أطلق أيضا على صدر المعبد. (كان بناء المحراب عند اليهود يختلف عن بنائه عندنا، فأولئك كانوا يبنون المحراب مرتفعا عن سطح الأرض بعدّة درجات بين حائطين مرتفعين يحفظانه، بحيث كانت تصعب رؤية من بداخل المحراب من الخارج).
و الثالث: انه يطلق على كلّ المعبد، و هو المكان الذي يخصّص للعبادة و مجاهدة النفس و الشيطان.
كبرت مريم تحت رعاية زكريّا، و كانت غارقة في العبادة و التعبّد. بحيث إنّها- كما يقول ابن عبّاس- عند ما بلغت التاسعة من عمرها كانت تصوم النهار و تقوم الليل بالعبادة، و كانت على درجة كبيرة من التقوى و معرفة اللّه حتّى أنّها فاقت الأحبار و العلماء في زمانها [١]. و عند ما كان زكريّا يزورها في المحراب يجد عندها طعاما خاصّا، فيأخذه العجب من ذلك. سألها يوما: يا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هذا.
فقالت: هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ.
الآية لا تذكر شيئا عن ماهيّة هذا الطعام و من أين جاء، لكنّ بعض الأحاديث الواردة في تفسير العيّاشي و غيره من كتب الشيعة و السنّة تفيد أنّه كان فاكهة من الجنّة في غير فصلها تحضر بأمر اللّه إلى المحراب. و ليس ما يدعو إلى العجب في أن يستضيف اللّه عبدا تقيّا.
كما أنّ اعتبار «الرزق» طعاما من الجنّة يتبيّن من القرائن التي نراها في ثنايا الآية. فأوّلا كلمة «رزقا» النكرة دليل على أنّ زكريّا لم يعرف نوع هذا الرزق.
و ثانيا جواب مريم التي قالت «من عند اللّه» دليل آخر. و ثالثا انفعال زكريّا و طلبه
[١]- تفسير مجمع البيان: ج ٢ ص ٤٣٦.