الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٢٦ - بحوث
لحقيقة واحدة. ففي البداية تكون الهداية التكوينية التي يهدي بها اللّه مخلوقاته و منها الإنسان الذي أودع فيه العقل و الفكر و القوى الأخرى.
يلي تلك الهداية هداية الأنبياء و الرسل الذين يهدون الناس إلى طريق الحقّ.
و الهداية هنا بمعنى الإرشاد و التبليغ.
ثمّ تأتي مرحلة العمل فيشمل اللّه مخلوقاته بتوفيقه فتتمهّد لهم سبل و طرائق تسير عليها نحو التكامل. و هذه هي هداية التوفيق.
و في العالم الآخر ينالون جزاء أعمالهم الصالحات.
هداية الإرشاد و الدعوة التي تشكّل واحدا من أنواع الهداية الأربعة هي من واجبات الأنبياء و الأئمّة، و قسم منها ممّا يتناول تمهيد الطرق، يدخل معظمه ضمن واجبات الحكومات الإلهية للأنبياء و الأئمّة، و الباقي يختصّ باللّه تعالى.
و عليه حيثما نجد في القرآن سلب الهداية عن أنبياء، فذلك لا يخصّ النوعين الأوّلين.
وَ لكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ.
و هي هداية لا تأتي ارتباطا بدون حكمة و لا حساب، أي أنّه لا يمكن أن يهدي بهذا و يحرم ذاك بغير سبب، فعلى الإنسان أن يكون جدير بالهداية لكي ينالها و يستفيد منها.
نستخلص من هذه الآية حقيقة أخرى، و هي أنّه يخاطب نبيّه قائلا: إذا ظهر بين المسلمين- بعد كلّ ذلك التحذير من الإنفاق المصحوب بالرياء و المنّ و الأذى- أفراد ما يزالون يلوّثون إنفاقهم بهذه الأمور، فلا يسؤك ذلك، إنّ واجبك هو بيان الأحكام و تهيئة المناخ الاجتماعي السليم، و ليس من واجبك أبدا أن تجبرهم على تجنّب هذه الأمور، و هذا التفسير لا يتنافى مع التفسير السابق، فكلاهما محتملان.