شرح فروع الكافي - المازندراني، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٢٩ - باب أصناف الحجّ
يأتِ رسول بعد رسول اللَّه صلى الله عليه و آله أو كتاب بعد كتاب اللَّه، لا نقبل خلافك على اللَّه و على رسوله و على كتابه، بل سلّموا و رضوا»[١]، الحديث.
و قد ظهر لك ممّا ذكر أنّ علماء العامّة و سلاطينهم لم يرضوا بما فعله عمر في الحجّ، و لم يقبلوا إنكاره التمتّع؛ لغاية شناعته.
و أمّا إنكاره متعة النساء فقد تلقّوه بالقبول غيرةً على امّهاتهم و بناتهم و أخواتهم كما كان كذلك داعياً له إليه.
و قد حكي أنّ المأمون أراد نقض ذلك و منعه الحديث الذي وضعه بعض المبدعين، فقد حكى في مجالس المؤمنين: أنّ المأمون أراد أن يجري شرع متعة النساء و ينقض أساس عمر، فبلغ ذلك يحيى بن أكثم، فقال لأبي العيناء: اغد إليه، فإن تيسّر لك التكلّم معه في ذلك، و إلّا فاصبر هنيئة حتّى أجيء إليك، فذهب أبو العيناء إلى المأمون غدوة، فرآه يمشي متحيّراً و هو يقول مخاطباً لعمر: يا جُعَل، ما لك و ما أحلّه رسول اللَّه صلى الله عليه و آله، فلمّا رآه متغيّراً هذا التغيّر سكت و لم يتكلّم، فإذا هو بيحيى عبوساً، فلمّا رآه يحيى متغيّر الحال قال له: ما لي أراك متنكّراً؟ فقال: بدعة ابتدعتَها، قال: ما هي؟ قال:
حلّ الزنا، فقال: كلّا و حاشا عن ذلك، قال: تريد أن تحلّ المتعة و ما هي إلّا زنا، فإنّ اللَّه تعالى حصر المحلّلات في الأزواج؛ و ملك اليمين و المتعة ليست من الأزواج؛ لاستلزام الزوجيّة التوارث، و لا توارث هنا، و ليست أيضاً مملوكة، فقال المأمون:
فكيف أحلّها رسول اللَّه صلى الله عليه و آله؟ فقال: قد أحلّها مدّة ثمّ نسخها في حجّة الوداع، فاستخبر المأمون عن رجل آخر عن صدق هذا الخبر فصدّقه، فتوقّف عن عزمه عن هذا الرأي.
و قد سمعت عن بعض الثقات نقلًا عن بعض تواريخ العامّة أنّه قال يحيى بعد ذلك:
و من المراحم الربّانيّة عَليَّ إبقاء سنّة عمر أن لم يخطر ببال المأمون أن يعترض بأنّه إذا وقع النسخ فكيف قال عمر: أنا احرّمهما؟ و أن يقول: و كيف كان الناس يستمتعون من النساء في عهد أبي بكر و نبذ من عهده؟[٢]
[١]. الهداية، ص ٤٢٣؛ المستدرك، ج ١٤، ص ٤٧٤- ٤٧٧، ح ١٧٣٤٨.