شرح فروع الكافي - المازندراني، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٢٧ - باب أصناف الحجّ
نهي عمر يحتمل أن يكون لوجوه، منها: أنّه أراد أن يكون الحجّ في أشهره المخصوصة و العمرة في غير تلك الشهور.
و منها: أنّه أحبّ عمارة البيت و أن يكثر زوّاره في غير الموسم.
و منها: أنّه أراد إدخال المرفق على أهل الحرم بدخول الناس إليهم، فرووا في تقوية هذه المعاني أخباراً موجودة في كتبهم لا معنى للتطويل بذكرها.
و منهم من حمل نهي عمر على فسخ الحجّ إذا طاف له قبل يوم النحر.
و قد روي عن ابن عبّاس أنّه كان يذهب إلى جواز ذلك، و أنّ النبيّ صلى الله عليه و آله كان أمر أصحابه في حجّة الوداع بفسخ الحجّ من كان منهم لم يسق هدياً، و لم يحلّ هو عليه السلام؛ لأنّه كان ساق الهدي، و زعموا أنّه منسوخ بقوله تعالى: «وَ أَتِمُّوا الْحَجَّ وَ الْعُمْرَةَ لِلَّهِ».[١]
و هذا التأويل الثاني بعيد من الصواب؛ لأنّ فسخ الحجّ لا يسمّى متعة، و قد صارت هذه اللفظة بعرف الشرع مخصوصة بمن ذكرنا حاله وصفته.
و أمّا التأويل الأوّل فيبطله قوله: أنا أنهي عنهما و اعاقب عليهما، و تشدّده في ذلك و توعّده يقتضي أن لا يكون القول خرج مخرج الاستحباب. على أنّ نهيه عن متعة النساء كان مقروناً بنهيه عن متعة الحجّ، فإن كان النهي عن متعة الحجّ استحباباً فالمتعة الاخرى كذلك.[٢] انتهى.
و أظنّ أنّ الباعث له على ذلك إحياء السنّة الجاهليّة، فإنّهم كانوا يحرّمون العمرة في أشهر الحجّ؛ فقد روى مسلم عن عبد اللّه بن طاوس، عن أبيه، عن ابن عبّاس، قال:
كانوا يرون العمرة في أشهر الحجّ من أفجر الفجور، و يجعلون المحرّم صفراً، و يقولون: إذا برأ الدّبر و عفا الأثَر و انسلخ صفر حلّت العمرة لمن اعتمر. [ف] قدم النبيّ صلى الله عليه و آله و أصحابه صبيحة رابعة مهلّين بالحجّ فأمرهم أن يجعلوها عمرة فتعاظم ذلك عندهم، فقالوا: يا رسول اللَّه، أيّ الحلّ؟ قال: الحلّ كلّه.[٣] و رواه البخاري[٤] أيضاً.
[١]. البقرة( ٢): ١٩٦. و انظر: أحكام القرآن للجصّاص، ج ١، ص ٣٥٢؛ و الفصول في الأصول له أيضاً، ج ٢، ص ٣٢٤.