بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٥٨٥ - المسألة ١٥ إذا حج مع استلزام حجه لترك واجب أهم أو ارتكاب محرم كذلك صح حجه
الدلالة التصديقية الأولى، إذ لا يقصد فيها المتلفظ إخطار معنى ما تلفظ به في ذهن السامع ــ فهو مما لا يعتد به، لبناء العقلاء على أصالة عدم الاشتباه والغفلة ما لم يثبت الخلاف.
ثم إن الدلالة التصديقية الأولى محدودة بدائرة المدلول المطابقي ولا تشمل المدلول الالتزامي، فإذا أخبر شخص عن نشوب النار في أنبوب النفط مثلاً فإن كلامه إنما يدل على حصول الحرارة في الأنبوب في مستوى الدلالة التصورية الأنسية, ولا يدل على ذلك بالدلالة التصديقية الأولى، أي كون المتكلم بصدد إخطار حصول الحرارة في ذهن السامع وإفهامه له.
القسم الثالث: الدلالة التصديقية الثانية، وهي دلالة الكلام على كون المعنى مراداً جدياً للمتكلم في مقابل كونه بداعي الاستهزاء والسخرية ونحو ذلك، أي أنه إذا قال: (اشتعلت النار في الأنبوب) فإنه لم يرد إخطار هذا المعنى في ذهن السامع فقط، بل أراد أيضاً إفهام أنه مراد جدي له ولا يقصد به الاستهزاء أو السخرية أو نحوهما.
وأساس دلالة الكلام على ذلك هو الميثاق العقلائي القائم على أن من تكلم بكلام ولم يقم قرينة على عدم كون مفاده مراداً جدياً له يكون الكلام حجة له وحجة عليه.
ودائرة هذا الميثاق العقلائي أوسع من دائرة المدلول المطابقي، فإنها تشمل لوازم الكلام حتى ما يكون المتكلم غافلاً عنها، أي أن الكلام كما يكون حجة في مدلوله المطابقي يكون حجة في لوازمه مطلقاً.
فالمناط في الحجية هو ثبوت الملازمة الواقعية سواء أدركها المتكلم أم لا، ولهذا يقال أحياناً: (أقرّ فلان بكذا من حيث لا يشعر) كما إذا نفى الأسباب الشرعية لانتقال مال إليه واحداً بعد واحد فإنه يعدّ إقراراً منه بعدم ملكيته له وإن لم يلتفت إلى ذلك، فيُلزم بمقتضى إقراره.
وبالجملة: إن الترابط الذهني الذي لا تتم الدلالة الالتزامية إلا بوجوده ليس هو الأساس في ما يكون الكلام حجة فيه، بل الملازمة الواقعية وإن لم تكن