بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٤٩٤ - ما استدل به على اعتبار صحة البدن في وجوب الحج
وأما إذا بني على أن المراد بالاستطاعة في الآية المباركة هو الاستطاعة الشرعية المتمثلة في الأمور المنصوص عليها في الروايات, فمن الظاهر أنه لا مجال عندئذٍ للاستدلال بالآية وحدها على اعتبار صحة البدن في وجوب الحج، بل لا بد من الرجوع إلى الروايات وضمها إلى الآية للاستدلال بها على ذلك.
وبما تقدم يظهر أيضاً أن اشتراط القدرة العقلية في متعلق التكليف لا يفي بنفي وجوب الحج عن المريض إلا في حال عدم قدرته على أدائه بسبب المرض وعدم قدرته على معالجة نفسه, وأما لو كان قادراً على أدائه بالرغم من تضرره به أو كان قادراً على المعالجة فمقتضى القاعدة وجوبه عليه.
وأما دليل نفي الضرر فهو وافٍ بنفي وجوب الحج عن المريض, أي من يتضرر صحياً بالسفر إلى الديار المقدسة أو أداء المناسك فيها.
نعم إذا بني على عدم شمول حديث لا ضرر للحكم الذي يكون ضررياً بطبعه وإن اقتضى ضرراً زائداً على ذلك في بعض الموارد لم يمكن التمسك به في المقام، فإن وجوب الحج ضرري بطبعه. نعم الضرر الذي هو مقتضى طبع الحج ليس سوى الضرر المالي دون البدني, ولكن الظاهر أنه لا محل للتفريق بينهما بالالتزام بأن أداء الحج إن كان مستلزماً لضرر بدني سقط وجوبه بحديث لا ضرر وإن كان مستلزماً لضرر مالي زائد على ما يقتضيه بطبعه لم يحكم بسقوط وجوبه استناداً إلى الحديث المذكور، ولكن أصل المبنى المذكور غير تام كما سيأتي وجهه.
هذا إذا لم يكن المريض قادراً على علاج نفسه، وإلا فإن دليل نفي الضرر لا يفي بنفي وجوب الحج عنه إلا إذا توقف العلاج على صرف مال معتدّ به وبني على شمول الدليل المذكور لما يكون ضررياً بطبعه إذا اقتضى تحمل ضرر زائد.
بل يمكن أن يقال: إن صرف الشخص ماله في علاج ما يعانيه من المرض ليس من الضرر حقيقة، فإن الضرر كما مرّ هو النقص الطارئ الذي يجعل الشيء كالمال أنقص مما ينبغي أن يكون عليه، وصرف المال في العلاج يشبه صرفه