بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٤٨٥ - لماذا لم يذكر السيد الأستاذ (قدس سره) صحة البدن مما يعتبر من الاستطاعة؟
عليه لفرض تحقق الاستنابة المتعقبة بصدور الحج النيابي ممن كلفه بذلك, وإن لم يأتِ بالحج فلا يكون المستنيب ممتثلاً لما وجب عليه بذلك، فإن لم يجد من يأتي بالحج نيابة عنه بعد استنابته يسقط عنه التكليف بذلك لأنه غير مقدور له، مثل ما إذا توقفت الأرض عن الحركة فلم يتحقق دلوك الشمس لتجب صلاة الظهر.
والحاصل: أنه لا محذور في تعلّق الوجوب بالاستنابة أي التسبيب في صدور الحج من الغير على وجه النيابة عنه, وأما تعلّقه بنفس الحج النيابي الصادر من الغير فغير معقول، لأن فعل الشخص الصادر عنه بإرادته واختياره لا يكون مقدوراً لغيره ليمكن إيجابه عليه.
أقول: هذا الوجه في مناقشة ما أفاده (قدس سره) وإن كان مطابقاً لما بنى عليه في أصوله إلا أنه غير تام لعدم تمامية المبنى, فإنه قد ذكر في محله من علم الأصول أنه لا مجال لقول بأن فعل الغير الذي يصدر منه بإرادته واختياره غير مقدور لغيره مطلقاً, بل إنه قد يكون مقدوراً له وقد لا يكون كذلك, فإنه إذا كان بإمكانه ترغيبه في الإتيان به وحثه على ذلك بحيث يؤدي إلى قيامه به ــ ولو ببذل المال ونحوه ــ كما في كثير من الموارد فهو يعدّ مقدوراً له, فلا مانع عقلاً من أن يكون متعلقاً للتكليف المتوجه إليه.
وبعبارة أخرى: قد يكون الشخص قادراً على التسبيب في صدور الفعل من الغير بإرادته واختياره فيكون مقدوراً له بالواسطة, ولا يصح القول بأنه غير مقدور له لمجرد توسط إرادة الغير في البين, بل قدرته على التسبيب في صدور الفعل من الغير تكفي في عدّ فعل ذلك الغير مقدوراً له، وبالتالي يصح جعله متعلقاً للتكليف المتوجه إليه.
لأن اشتراط القدرة على متعلق التكليف ليس إلا جهة أن التكليف الوجوبي إنما هو إنشاء بداعي جعل الداعي بالإمكان في نفس المكلف لإيجاد المتعلق، فلا يمكن أن يتعلق بما هو خارج عن حيز قدرته واختياره, وأما ما هو مقدور له ولو بالواسطة فجعل الداعي في نفسه لإيجاده ــ بحثّ الغير على الإتيان به ــ بمكان من الإمكان ولا محذور فيه عقلاً.