بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٢٠٧ - المسألة ٨ نفقة حج الصبي على الولي
الوسطى، وعليه تكون هذه الآية المباركة نظير آية التجارة يراد بها النهي عن أكل مال اليتيم إلا بالأسباب الشرعية، فلا تعلق لها بما هو محل الكلام من التصرفات الخارجية في ماله.
ولكن هذا البيان مما لا يمكن المساعدة عليه، فإن النهي عن التقرب عند تعلّقه بالأعيان مما يختلف مفاده حسب اختلاف الموارد، فقد يراد به المعنى الحقيقي وهو معروف وقد يراد به المعنى الكنائي ولا بد لتشخيصه من ملاحظة القرائن والمناسبات، ولا قرينة في المقام على إرادة ما ذكره (قدس سره) من النهي عن التقرب إلى مال اليتيم بل المنساق منه إرادة النهي عن التصرف في مال اليتيم إلا بالنحو الذي يكون أحسن وأصلح له، وأما تأنيث اسم الإشارة في قوله تعالى: ((إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)) فلا يقتضي كون المراد هو عدم التقرب إلا بالأسباب الشرعية ليكون قرينة على كون المراد بعدم التقرب هو التسلط والاستيلاء.
وبالجملة ما أفاده (قدس سره) من أن النهي عن التقرب المتعلق بالأعيان إنما يراد به النهي عن التسلط عليها وأكلها ونحو ذلك مما لا يتم على إطلاقه كما يتضح بتتبع موارد الاستعمال كقوله تعالى [١] : ((وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ)) وقوله تعالى [٢] : ((فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ)) وقوله تعالى [٣] : ((إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا)) .. إلى غير ذلك من الموارد، وحيث إنه لا يوجد في المقام قرينة على إرادة المعنى المذكور فالأوجه هو البناء على كون المراد بالآية الكريمة هو ما تقدم من النهي عن التصرف في مال اليتيم إلا بما هو أحسن له.
ثم إنه قد مرّ أن في المراد بلفظة (أحسن) وجهين: أن تكون بمعنى التفضيل كما هو ظاهرها وأن تكون مجردة عنه ولا قرينة على الثاني فيتعيّن الأول، اللهم إلا أن يقال: إن مقتضاه عدم جواز التصرف إلا إذا دار الأمر بين فعلين حسنين
[١] البقرة:٣٥. الأعراف:١٩.
[٢] البقرة:٢٢٢.
[٣] التوبة:٢٨.