درر الفوائد في الحاشية على الفرائد - الآخوند الخراساني، الشيخ محمد کاظم - الصفحة ٣٢٨ - تنبيه
جدّ.
و من المعلوم أنّه مع العلم بها أو الظّنّ يعلم أو يظنّ بإرادة المعنى و إلاّ فلا علم و لا ظنّ كما لا يخفى، و أين هذا من حصول الدّلالة له بمجرّد الوضع، كما هو المدّعى. نعم لنفس الوضع دخل عقلاً في ذلك لتوقّف العلم بهذه المقدّمات أو الظّنّ ببعضها عليه، و إلاّ لم يكن علم و لا ظنّ بها كما لا يخفى، و دخله في حصول المقدّمات الّتي يستحيل تخلّفه عقلاً عن الدّلالة و العلم بالإرادة، غير حصول الدّلالة به بمجرّده، مع انّ هذا في الدّلالة على ما وضع له بما هو كذلك و إلاّ فلا دخل له في الدّلالة على المعنى بما هو معنى أصلا لوضوح تحقّقها في الغلط و المجاز كما لا يخفى. و أمّا الدّلالة بمعنى مجرّد إخطار المعنى و تصوّره من إحساس الدّالّ بالسّمع أو البصر أو غيرهما، فهي أيضا ناشئة عقلا من العلم بالوضع و الالتفات إليه، و قد عرفت انّ دخل الوضع في تحقّق ما هو سبب عقلاً غير كونها بسببه، مع أنّ دخله فيه إنّما هو في الدّلالة عليه بما هو موضوع له، و أمّا بما هو معنى، فالدّلالة عليه غير متوقّفة عليه، بل يكون مع الجزم بعدم الوضع له أو الشّكّ، بل يحصل بمجرّد إحساسه مع الالتفات إليه مطلقا، لأنّه أمر نسبيّ لا بدّ في الالتفات إليه من الالتفات إلى طرفيه من غير تفاوت بين إثباته و نفيه، و التّردّد بينهما كما لا يخفى.
و بالجملة قد ظهر أنّ دخل الإنشاء و الجعل وضعاً و تشريعاً بحكم العقل في وجود سبب التّكليف و داعيه، أو في تحقّق الدّلالة بكلا معنييها غير حصول المنشأ من السّببيّة أو الدّلالة أو نحوهما بمجرّد ذلك الإنشاء و الجعل كما هو المدّعى، و بذلك يمكن التّصالح بين الأعلام بأن يكون المنكر في المقام ينكر هذا و المثبت يثبت ذاك، فلا نزاع في الحقيقة بينهم و لا كلام، و عليك بالتّأمّل التّام فانّه من مزالّ الأقدام.
و أمّا قبول مثل الملكيّة و الزّوجيّة و الولاية إلى غير ذلك من الاعتبارات ذوات الآثار شرعاً و عرفاً للجعل أصالة و تبعاً، فلأنّها و إن كانت من الأمور النّفس الأمريّة إلاّ أنّها لمّا كانت أموراً اختراعيّة و معاني انتزاعيّة لا واقعيّة لها في الخارج إلاّ بواقعيّة منشأ انتزاعها و لا تحقّق لها فيه إلاّ بوجود ما يصحّ منه اختراعها، كان كلّ واحد من إنشائها عقداً أو إيقاعاً أو عهداً على اختلافها و من إنشاء آثار يستلزمها كافياً في منشأ الانتزاع و وافية بصحّة الاختراع، ضرورة صحّة انتزاع الملكيّة الواقعيّة من مجرّد جعل اللَّه تعالى ملكيّة شيء لأحد، و كذا صحّة انتزاع الولاية من جعلها لواحد، كما يصحّ انتزاعهما من جعل آثار يستلزمها كإيجاب الوفاء بالعقد و إجازة التّصرّف و إباحته بأنحائه في ملك الغير مثلاً، كما يظهر ذلك من مراجعة السّلطان ولاية مملكته و حكومته تارة بإنشائها بخطاب يخصّها،