درر الفوائد في الحاشية على الفرائد - الآخوند الخراساني، الشيخ محمد کاظم - الصفحة ١٧٤ - السّابع
الآخرة، فمن كان قصوره لدناءة ذاته و خساسة فطرته و خبث باطنه، فطبع على قلبه و سمعه و بصره، لم يكن له في الآخرة من نصيب «من كان في هذه الدّنيا أعمى فهو في الآخرة أعمى» [١]. و من كان قصوره لا لذلك، بل لأمور غريبة خارجيّة، و إلاّ كان من أجل شرافة ذاته و حسن باطنه، ذا أخلاق كريمة و صفات حميدة، يطلب الحقّ و يحبّه و ان لم يعرفه، فهو ممّن يرجى له الرّحمة من ربّه على حسب اختلاف طبقاته «النّاس معادن كمعادن الذّهب و الفضّة» كما في الخبر، و السّر في ذلك انّ المدار انّما يكون على التّديّن و الإقرار بالحقّ تفصيلاً إذا علم، و إجمالاً فيما لم يعلم، بسيطاً أو مركّباً من جهة الخطاء في التّطبيق، بحيث كان تديّنه به لكونه الحقّ، لا انّه يتديّن به و يحبّ ان يكون هو الحقّ لا غيره، فافهم، و اللَّه هو العالم بما يعامل به من عباده في الآخرة.
ثمّ لا بأس بالإشارة إلى ما لا بدّ منه في تحقّق الإيمان على نحو الإجمال ممّا يعمل بالجوارح و الأركان، أو ممّا يتعلّق بالقلب و الجنان من التّديّن و الاعتقاد بما لَه من الخصوصيّة من المتعلّق و السّبب و المرتبة؛ فاعلم انّ الظّاهر اختلافه بحسب ما له من الآثار الدّنيويّة و الأخرويّة، و كذا الكفر الّذي مقابله، و كفاية إقرار الإنسان بالتّوحيد و النّبوة باللّسان، و عدم إنكاره ما علم انّه جاء به النّبي (صلى اللَّه عليه و آله) في الخروج عن حدود الكفر في- الدّنيا في الجملة، و ان لم يعترف و يعتقد بهما بقلبه، بل و إن اعتقد خلافهما، كما يظهر من معاملة النّبي (صلى اللَّه عليه و آله) مع المنافقين معاملة المسلمين، في الطّهارة و النّكاح و الميراث و غيرها، و ان كانوا في الآخرة أسوأ حالاً من الكافرين، كما أشرنا إليه. و الظّاهر عدم اختصاص ذلك بصدر الإسلام، لأجل التّوصّل به إلى زيادة شوكة له، لعموم العلّة لغيره، و ان كان به مزيد اختصاص و هو لا يوجب الاختصاص، كما لا يخفى. و عدم كفاية ذلك في الخروج عن الكفر في الآخرة، بل لا بدّ فيه من الإقرار و الالتزام قلباً، بعد الاعتقاد و القطع بكلّ ما استقلّ العقل بوجوب معرفته، أو دلّ النّقل، و قد عرفته مفصّلاً. و لا يكفى الظّنّ به و لو كان من الخبر، للتّمكن من تحصيل الاعتقاد و القطع عقلاً و نقلاً، كما قال اللَّه تعالى: «إنّ الظّنّ لا يغنى عن الحقّ شيئاً» [٢] و «لا تقف ما ليس لك به علم» [٣] و غيرهما
[١]- الإسراء- ٧٢ (من كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى- الآية-).
[٢]- النّجم- ٢٨
[٣]- الإسراء- ٣٦