درر الفوائد في الحاشية على الفرائد - الآخوند الخراساني، الشيخ محمد کاظم - الصفحة ١٢٨ - السّابع
كالضّرر المقطوع من الفطريّات، بل ذلك مودع في طبائع سائر الحيوانات، و لذلك تراها تتحرّز عن مظانّه، فدفعه واجب عقلاً و ان لم نقل بالتّحسين و التّقبيح العقليّين؛ و منه ظهر عدم الحاجة أصلاً بعد منع ابتناء الكبرى على القول بهما، إلى دعوى دلالة الكتاب و السّنّة على ثبوتها كي يخرج الدّليل عن الأدلة العقليّة، مع ما في دلالة الآيات الّتي ذكرها ما لا يخفى، فانّها بين ما يكون ظاهره التّحذير عن الضّرر المعلوم، و ما يكون ظاهره الإرشاد، فيتّبع ما يرشد إليه في الوجوب و الاستحباب، و لا يترتّب على موافقته و مخالفته الثّواب و العقاب.
فتلخّص ممّا ذكرنا عدم ابتناء الحكم بوجوب دفع الضّرر الظنون في الكبرى عقلاً على القول بهما، لما عرفت من انّه ضروريّ فطريّ، و ظهر فساد ابتنائه عليه و لو قيل به، لما عرفت من انّ ملاكه مجرّد ملاحظة انّه مظنّة الضّرر، من دون ملاحظة انّه ممّا يذمّ عليه؛ فالمصنّف و إن أجاد فيما أفاد، من انّ الحكم في الكبرى إلزاميّ أطبق العقلاء على الالتزام به في جميع أمورهم، إلاّ انّه لا وجه لما التزم به من انّه بملاك التّقبيح على عدم الالتزام به عقلاً، فافهم.
ثمّ إنّ التّحقيق في الجواب، و توضيح الحال فيما وقع من النّقض و الإبرام، يستدعى بسط الكلام برسم أمور في المقام:
(أحدها): انّ الأمر بالأمارة أو أصل، أو النّهى عن امر كالقياس و نحوه و إن كان لا بدّ ان يكون عن مصلحة، إلاّ انّه في نفس الجعل و الأمر الّذي هو فعل الشّارع، لا في فعل يؤدّى الأمارة أو الأصل إلى وجوبه أو حرمته، كما تقدّم منّا تحقيقه، و يأتي في توجيه خروج القياس؛ و قد عرفت سابقاً انّ مصلحة الجعل ليس ممّا يصلح ان يتدارك به ما فات به عن المكلّف من المصلحة أو وقع فيه من المفسدة، كما عرفت انّه لا قبح في الجعل لأجل ذلك إذا كان فيه من المصلحة ما كان مراعاته أهمّ من ذلك.
(ثانيها): انّ الأحكام الواقعيّة و ان كانت على المشهور بين العدليّة، تابعة للمصالح و المفاسد الّتي يكون في نفس المأمور بها و المنهيّ عنها لا المصالح في نفس الأمر و النّهى، إلاّ انّ مخالفة المجتهد لما ظنّه من الحكم الوجوبيّ أو التّحريمي، لا يوجب ظنّاً بالضّرر، لأنّ المصلحة أو المفسدة الّتي يكون في المأمور بها أو المنهيّ عنها و إن كانت علّة تامّة للحكم الواقعيّ و إنشائه و جعله، إلاّ انّ مجرّد ذلك لا يقتضى ان يكون فعلاً واجبة لاستيفاء أو التّحرز عقلاً، لما عرفت سابقاً من مراتب الحكم، و انّ الحكم الواقعيّ الّذي ينظر إليه الأمارات ليس إلاّ مرتبة الإنشاء منها، لا المرتبة الّتي ينقدح في نفس المولى فيها البعث و الزّجر الفعليين.
و بعبارة أخرى، المصلحة أو المفسدة الّتي يكون في الشّيء الموجبة لإنشاء الأمر به أو النّهى