فوائد الاُصول - الغروي النّائيني، الميرزا محمد حسين - الصفحة ٧٣٧ - المبحث الخامس في حكم التعارض
و لكنّ الإنصاف: أنّ الاحتمال الثاني لو لم يكن أقرب من الاحتمال الثالث فلا أقلّ من أن يكون مساويا له، فإنّا نرى أنّ كثيرا من المخصّصات المنفصلة المرويّة من طرقنا عن الأئمّة عليهم السلام مرويّة عن العامّة بطرقهم عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فيكشف ذلك عن اختفاء المخصّصات المتّصلة علينا، فلا وجه لاستحالة الوجه الثاني أو استبعاده، بل يمكن أن يقال:
باستحالة الوجه الثالث، فانّه إن كانت مصلحة الحكم الواقعي الّذي يكون مفاد المخصّصات المنفصلة تامّة فلا بدّ من إظهاره و التكليف به [١] و إن لم تكن تامّة- و لو بحسب مقتضيات الزمان حيث يكون للزمان دخل في ملاك الحكم- فلا يمكن ثبوت الحكم الواقعي حتّى يكون مفاد العامّ حكما ظاهريّا، بل يكون الحكم الواقعي هو مفاد العامّ إلى زمان ورود الخاصّ، و لا محالة يكون الخاصّ ناسخا لا مخصّصا، ففي الحقيقة الاحتمال الثالث يرجع إلى الاحتمال الأوّل و هو النسخ. و قد عرفت: أنّه لا يمكن الالتزام به، فلا أقرب من الاحتمال الثاني، فتأمّل جيّدا.
و على كلّ حال: لو تردّد الخاصّ بين أن يكون مخصّصا أو ناسخا، فقيل:
بتقديم التخصيص لكثرته و شيوعه، حتّى قيل: «ما من عامّ إلّا و قد خصّ».
______________________________
[١] أقول: تمامية مصلحة الحكم الواقعي لا يلازم إبرازه فعلا على المكلّف، بل يكفي فيه إيكال إبرازه إلى أوصيائه عليهم السلام مع إعطائه الحجة على خلاف الواقع، كما لا يخفى.
ثم إن الحكم الظاهري في المقام هو مفاد أصالة العموم لا مفاد العام، و هذا التعبير في كلماته أيضا مبني على المسامحة أو السهو من القلم.
و لئن شئت توضيح ما ذكرنا بأزيد مما أشرت إليه، فاسمع بان الغرض من تمامية مصلحة الواقع ان كان عدم وجود مزاحم له في تنجّزه على المكلّف و إيصاله إليه، فلازمه استحالة جعل الطريق على خلافه، و إن كان الغرض تمامية المصلحة في عالم جعل الحكم واقعا على وفقه و لو لم يصل إلى المكلّف فعلا بل اقتضت المصلحة إيصاله إليه بعد حين، فذلك لا ينافي مع إبداء العام على المكلف في صورة كون الحكم المجعول واقعا على طبق الخاصّ الموكول إبرازه على وصيّه، كما لا يخفى.