فوائد الاُصول - الغروي النّائيني، الميرزا محمد حسين - الصفحة ٤١٧ - القسم الثاني
و السرّ في ذلك: هو أنّ أصالة الحلّ لا تثبت كون الحيوان المتّخذ منه اللباس من الأنواع الّتي خلقها اللّه (تعالى) مأكولة اللحم، بل غاية ما تثبته أصالة الحلّ هو حلّيّة أكله، و مجرّد حلّيّة الأكل لا ينفع في جواز الصلاة في أجزائه ما لم يحرز كونه من الأنواع المحلّلة، و قد استقصينا الكلام في ذلك في رسالة المشكوك [١].
إذا عرفت ذلك، فنقول: إنّه لو سلّم كون الشكّ في بقاء القدر المشترك فيما نحن فيه مسبّبا عن الشكّ في حدوث الفرد الباقي و عدمه، إلّا أنّ الترتّب في الوجود بين الكلّي و الفرد إنّما هو عقلي، و ليس من المجعولات الشرعيّة، بداهة أنّ وجود الكلّي بوجود الفرد و ارتفاعه بارتفاعه إنّما يكون عقليّا.
______________________________
[١] أقول: هنا إشكال آخر أمتن من الشبهات السابقة لم يتعرّضه أستاذ المقرّر ظاهرا، و هو أنّ وجود الطبيعي إذا كان عين وجود الأفراد، فعدم الطبيعي أيضا لا بدّ و أن يكون عين عدمها، غاية الأمر في طرف الوجود يتحقّق الطبيعي بوجود واحد، و لكن في طرف العدم لا بدّ و أن يتحقّق في ضمن عدم جميع الأفراد، فعدم الطبيعي حينئذ قهرا له نحو انبساط في ضمن أعدام أفراده على حسب قلّة أفراده و كثرتها.
و عليه نقول: إنّ لعدم الطبيعي إذا كان مراتب متفاوتة على حسب تكثّر أعدام الأفراد، فلا جرم يصير بمنزلة أمر بسيط يكون ذات مراتب، و إذا شكّ في تحقّق مرتبة منه مع العلم ببقيّة المراتب فحكمه حكم المركّب المحرز بعضه بالأصل و بعضه بالوجدان، و في مثله لا بأس باستصحاب هذا العدم و إحراز بعضه بالأصل و بعضه بالوجدان، و حينئذ فباستصحاب عدم حدوث الباقي في ظرف الجزم بانتفاء الزائل يحرز عدم الجامع، و إن لم يثبت عدم حدوث الجامع من قبل هذا الحادث المشكوك، و لذا يبقى شكّه بحاله و كان منشأ لجريان استصحاب بقاء الجامع، و لكن هذا الأصل بضمّ الوجدان يثبت عدم الجامع قبال استصحابه، فيتعارضان.
و التحقيق حينئذ في دفع هذه الشبهة أن يقال: إنّ ما أفيد صحيح بالنسبة إلى الطبيعة القابلة للانطباق على الأفراد عرضا، و أمّا في صرف الوجود فهو لا يكاد ينطبق إلّا على أوّل وجود الطبيعي لا ثانيه، فلا جرم وجود الطبيعي بهذا المعنى يلازم للسبق بالعدم، فنقيضه أيضا كذلك، و لازمه كون نقيض الطبيعي المزبور مرتبة من الطبيعي الملازم للسبق بنفسه الأعدام لا عينها، و حينئذ لا يجري فيه حكم إحراز بعض المركّب بالأصل و بعضه بالوجدان، مع أنّ هذا المعنى مع تعدّد الوجود في الخارج كالمركّبات في غاية المتانة، و أمّا مع بساطة الشيء على حسب مراتبه: فتصوير إحرازه بالتقريب المزبور يحتاج إلى مزيد تأمّل، فتدبّر.