فوائد الاُصول - الغروي النّائيني، الميرزا محمد حسين - الصفحة ٤١٥ - القسم الثاني
و بين الأمور الاعتباريّة العرفيّة أو الشرعيّة، فالعلم بوجود الفرد المردّد يكون منشأ للعلم بوجود الكلّي و القدر المشترك خارجا، و ارتفاع أحد فردي الترديد يصير منشأ للشكّ في بقاء الكلّي، فيثبت كلا ركني الاستصحاب.
نعم: بناء على انتزاعيّة الكلّي يتوجّه الإشكال المذكور، فانّه لم يتعلّق العلم بوجود الكلّي إذ لا وجود له، و إنما تعلّق العلم بوجود منشأ الانتزاع و هو الفرد، و لكنّ القول بانتزاعيّة الكلّي بمراحل عن الواقع، فلا إشكال في أنّ العلم بوجوب إحدى الصلاتين يستتبع العلم بوجود الوجوب في عالم التشريع و الاعتبار، و كذا العلم بوجود أحد الحيوانين أو صدور أحد الحدثين يستتبع العلم بوجود الحيوان و الحدث في عالم العين و التكوين، و العلم بخروج أحد الفردين عن مورد الابتلاء بامتثال أو تلف و نحوه يوجب الشكّ في بقائه، فيجري فيه الاستصحاب.
و أمّا عدم المانع: فلأنّ المانع الّذي يمكن توهّمه ليس إلّا أنّ وجود القدر المشترك إنّما يكون مسبّبا عن حدوث الفرد الباقي، إذ لو لا حدوث الفرد الباقي لكان يعلم بارتفاع القدر المشترك، فبقاء الكلّي إنّما يكون معلولا لحدوث الفرد الباقي، فيجري فيه استصحاب عدم الحدوث و يرتفع بذلك الشكّ في بقاء الكلّي، لأنّ الأصل الجاري في السبب رافع لموضوع الأصل المسبّبي، فلا يبقى مجال لاستصحاب بقاء القدر المشترك.
هذا غاية ما يمكن أن يتوهّم في المنع عن جريان استصحاب الكلّي، و قد توهّمه بعض، و لكنّه ضعيف لما فيه:
أوّلا: أنّ ارتفاع القدر المشترك ليس مسبّبا عن عدم حدوث الفرد الباقي،
______________________________
و لو تفصيلا مردّدا في بقائه. و حينئذ الأولى في الفرق بينهما أن يقال: إن شأن دليل التعبّد أن يشمل موردا يتعلّق الشكّ فيه بما له الأثر في لسان الكبرى، و هذا المعنى في استصحاب الكلّي متحقّق دون غيره من الفرد المردّد، كما لا يخفى.