فوائد الاُصول - الغروي النّائيني، الميرزا محمد حسين - الصفحة ٤٠١ - تتمة
العبادة في الجزء الثاني من الكتاب.
و أمّا الطهارة و النجاسة: فقد جعلهما الشيخ- قدّس سرّه- من الأمور الواقعيّة الّتي كشف عنها الشارع جريا على مبناه: من أنّ الأحكام الوضعيّة لا تنالها يد الجعل الشرعي، فهي بين ما تكون منتزعة عن التكليف كالملكيّة و الزوجيّة و نحو ذلك، و بين ما تكون من الأمور الواقعيّة كالطهارة و النجاسة.
و يا ليت! بيّن مراده من ذلك، فانّه إن كان المقصود أنّ حكم الشارع بطهارة بعض الأشياء و نجاسة آخر إنّما هو لأجل اشتمال الطاهر و النجس على النظافة و القذارة المعنويّة، فهذا لا يختصّ بباب الطهارة و النجاسة، بل جميع موضوعات التكاليف و متعلّقات الأحكام الشرعيّة تشتمل على خصوصيّة واقعيّة حكم الشارع على طبقها، فانّ الواجبات الشرعيّة كلّها ألطاف في الواجبات العقليّة. و إن كان المقصود أنّ أصل الطهارة و النجاسة من الأمور الواقعيّة الخارجيّة، فهذا ممّا لا سبيل إلى دعواه، بداهة أنّ الطهارة و النجاسة بمعنى النظافة و القذارة من الأمور الاعتباريّة العرفيّة [١] كما يشاهد أنّ العرف و العقلاء يستقذرون عن بعض الأشياء و لا يستقذرون عن بعضها، غايته أنّ
______________________________
[١] أقول: لا إشكال ظاهرا في أنّ النظافة و القذارة العرفيّة المحسوسة من الواقعيّات و غير مرتبط بعالم الجعل و الاعتبار، و إنّما الكلام فيهما شرعا بحيث لم يكن في البين جهة محسوسة عرفيّة، بل ربما تكون الحكم الشرعي. عكس ما هو محكوم عند العرف بالطهارة و النجاسة، و لا يبعد دعوى كونهما من الاعتباريّات الجعليّة بادّعاء ما يراه العرف طاهرا في مورد و ما يراه العرف نجسا في مورد* و إن لم يكن كذلك في نظرهم خارجا، إذ من الممكن دعوى أنّ حكم الشارع بالنجاسة بمناط لو يرى العرف هذا المناط ليجرون أحكام نجسهم عليه، و هكذا بالعكس. فتدبّر فيه ترى هذا المناط مصحّح هذا الادّعاء و الجعل لا عين الطهارة الشرعيّة و نجاستها كي يكونا من الواقعيّات الّتي كشف عنها الشارع، كما توهّم، فافهم.
* لا يخفى ما في العبارة من الخلط، و الصحيح «بادّعاء ما يراه العرف طاهرا في مورد نجسا» (المصحّح).