فوائد الاُصول - الغروي النّائيني، الميرزا محمد حسين - الصفحة ٣٧٥ - دفع وهم
فيكون مفاد قوله عليه السلام «لا تنقض اليقين بالشكّ» هو أنّ الجري العملي الّذي كان يقتضيه الإحراز و اليقين لا ينقض بالشّك في بقاء المتيقّن.
و ليس مفاد أخبار الاستصحاب هو «بقاء ما كان و دوام ما ثبت» لما عرفت في أوّل مبحث الاستصحاب: من أنّ الإحراز و الشّك دخلا في الحكم المجعول في باب الاستصحاب، و بذلك يكون الاستصحاب من الأحكام الظاهريّة، و لو كان مفاد الأخبار «دوام ما ثبت» لكان ذلك حكما واقعيّا نظير قوله- عليه السلام- «حلال محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم حلال إلى يوم القيامة إلخ»[١] كما أنّه ليس مفاد أخبار الاستصحاب هو حرمة نقض اليقين بالشكّ بحيث يكون المجعول فيه حكما تكليفيّا، بداهة أنّ الحكم الاستصحابي يعمّ التكاليف الغير الإلزاميّة و الوضعيّات و غير ذلك، مع أنّه لا يحرم فيها نقض اليقين بالشكّ، فلا يمكن أن يكون المراد من النهي في قوله عليه السلام «لا تنقض اليقين بالشكّ» النهي التكليفي، بل المراد منه عدم الانتقاض، بمعنى: أنّ الشارع حكم بعدم الانتقاض و بقاء الجري العملي على وفق المتيقّن، و لذلك يجري الاستصحاب في الوضعيّات و في التكاليف الغير الإلزاميّة.
إذا عرفت ذلك، فقد ظهر لك: أنّ أخبار الباب إنّما تختصّ بما إذا كان المتيقّن ممّا يقتضي الجري العملي على طبقه، بحيث لو خلّي و طبعه لكان يبقى العمل على وفق اليقين ببقاء المتيقّن، و هذا المعنى يتوقّف على أن يكون للمتيقّن اقتضاء البقاء في عمود الزمان ليتحقّق الجري العملي على طبقه، فانّه في مثل ذلك يصحّ ورود النقض على اليقين بعناية المتيقن و يصدق عليه نقض اليقين بالشّك و عدم نقضه به، بخلاف ما إذا لم يكن للمتيقّن اقتضاء البقاء في سلسلة الزمان، فانّ الجري العملي بنفسه ينتقض و لا يصحّ ورود
[١] أصول الكافي: كتاب فضل العلم، باب البدع و الرّأي و المقاييس الحديث ١٩.