تحرير الأحكام الشرعية على مذهب الإمامية - العلامة الحلي - الصفحة ٢٤٧ - المطلب الرابع العدالة و فيه ثلاثة عشر بحثا
و تحصل بالامتناع عن الكبائر، و عن الإصرار على الصغائر أو الإكثار منها. [١]
و المراد بالكبائر: كلّما توعّد اللّه تعالى عليه بالنار، كالزنا، و القتل، و اللواط، و غصب الأموال المعصومة، و شرب الخمر، و عقوق الوالدين، و الرّبا، و قذف المحصنات المؤمنات.
و أمّا الصّغائر فإن داوم عليها، أو وقعت منه في أكثر الأحوال، ردّت شهادته إجماعا، و لو وقعت منه ندرة قال الشيخ (رحمه اللّه) [٢]: لا يقدح في العدالة، لعدم الانفكاك منها إلّا فيما يقلّ، فلو شرطنا عدمها أجمع، أفضى إلى ألا تقبل شهادة أحد بالإطلاق، و ذلك ضرر عظيم. و منع ابن إدريس ذلك، و التجأ في التخلّص عن الإلزام إلى التوبة الّتي يمكن فعلها لكلّ أحد في كلّ وقت. [٣]
[١]. قال ثاني الشهيدين في المسالك:
... انّما الكلام في أنّ هل هي كلّها كبائر، أم تنقسم إلى كبائر و صغائر؟
و قد اختلف الأصحاب و غيرهم في ذلك، فذهب جماعة منهم المفيد و ابن البراج و أبو الصلاح و ابن إدريس و الطبرسي- بل نسبه في التفسير إلى أصحابنا مطلقا- إلى الأوّل، نظرا إلى اشتراكها في مخالفة أمره تعالى و نهيه، و جعلوا الوصف بالكبر و الصغر إضافيّا، فالقبلة المحرّمة صغيرة بالنسبة إلى الزنا و كبيرة بالنسبة إلى النظر، و كذلك غصب الدرهم كبيرة بالنسبة إلى غصب اللقمة و صغيرة بالإضافة إلى غصب الدينار، و هكذا.
و ذهب المصنّف رضى اللّه عنه و أكثر المتأخرين إلى الثاني، عملا بظاهر قوله تعالى: (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ) (النساء: ٣١) دلّ بمفهومه على أنّ اجتناب بعض الذنوب- و هي الكبائر- يكفّر السيّئات، و هو يقتضي كونها غير كبائر، و قال تعالى: (الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَ الْفَواحِشَ) (النجم: ٣٢) مدحهم على اجتناب الكبائر من غير أن يضايقهم في الصغائر، و في الحديث: «انّ الأعمال الصالحة تكفّر الصغائر». مسالك الأفهام: ١٤/ ١٦٦- ١٦٧.
[٢]. المبسوط: ٨/ ٢١٧.
[٣]. السرائر: ٢/ ١١٨.