بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٥٤٦ - هل أن مزاحمة الحج بواجب أهم يوجب سقوط الوجوب أم لا؟
كل خطاب إنما يكون مقيداً بعدم صرف المكلف قدرته في ما لا يقل عن متعلقه أهمية من الأضداد الاتفاقية, وأما الأضداد الدائمية فإن الخطاب يكون مطلقاً من حيث الاشتغال بها, لأن خصوصية كون التضاد دائمياً تُعدُّ بنفسها قرينة عرفية على أن المولى ينفي مانعية الاشتغال بالضد الدائم لمتعلق أيّ خطاب على ثبوت ذلك الخطاب, أي ينفي وجود ملاك في الضد الدائم يساوي أو يفوق الملاك الكامن في متعلق الخطاب حتى يتحتم تقييده بعدم الاشتغال به.
ولكن هذا الكلام غير تام، وتوضيحه: أنه إذا أراد المولى أن يوجب القيام بفعل على كل من يتمكن منه، وكان في أضداده الدائمية ما هو بمستواه أو يفوق عليه في الملاك، فإنه لا يسعه إنشاء الوجوب مطلقاً، بل عليه أن يقيّده بعدم صرف القدرة في الإتيان بما لا يقل عنه أهمية، لإمكان الترتب في موارد التضاد الدائمي كالتضاد الاتفاقي، كما هو موضح في محله.
مثلاً: إذا أراد المولى إيجاب الهرولة عند طلوع الفجر، لاشتمالها على مصلحة ملزمة، ولكن كان في أداء الصلاة في ذلك الوقت مصلحة ملزمة أيضاً, فإن كانت مصلحة الصلاة أهم فلا بد من إيجاب الهرولة مقيداً بعدم صرف القدرة في أداء الصلاة, وإن كانت في مستوى مصلحة الهرولة فلا بد من إيجاب كلٍّ منهما مقيداً بعدم صرف القدرة في الإتيان بالآخر أو جعل وجوب واحد متعلقاً بأحدهما تخييراً, وأما إنشاء وجوب الهرولة مطلقاً فغير صحيح على كلا التقديرين.
وبالجملة: إنه متى ما كان في الأضداد الدائمية للواجب ما هو بمستواه في الملاك أو يفوق عليه فيه فإنه لا يمكن ثبوتاً أن يكون وجوبه مطلقاً، بل لا بد أن يكون مقيداً بعدم صرف المكلف قدرته في الإتيان به، نظير ما يقتضيه مسلك المقيد اللبّي في الأضداد الاتفاقية, فلا يوجد ثمة فرق بين الضد الاتفاقي والضد الدائمي من هذه الجهة, هذا في مقام الثبوت.
وأما في مقام الإثبات فيشبه الحال ما تقدم في الضد الاتفاقي أيضاً, أي أنه إذا أُحرز بدليل آخر أن الضد الدائمي لمتعلق التكليف يضاهيه في الملاك أو يفوق