بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٥٣٦ - هل أن مزاحمة الحج بواجب أهم يوجب سقوط الوجوب أم لا؟
يقل عن متعلقه أهمية هو استحالة إطلاق الأمر في أحد المتزاحمين، لفرض الاشتغال بالمزاحم الآخر الذي لا يقل عنه أهمية, لأن المراد بهذا الإطلاق إن كان هو التوصل إلى الجمع بين الضدين فهو مستحيل, وإن كان هو صرف المكلف عن ذلك المزاحم فهو خلف فرض أنه لا يقل عنه في الأهمية بنظر المولى فلماذا يصرفه عن الإتيان به؟!
وأضاف بعض الأعلام (طاب ثراه) [١] إلى هذا البرهان العقلي ــ كما زعمه ــ دعوى أن القيد المذكور ارتكازي يحكم به العرف بداهة، أي أنه ليس أمراً نظرياً يتحتم الالتزام به لمجرد قيام البرهان عليه، بل هو مرتكز في الأذهان ويعدُّ أمراً بديهياً لدى العرف.
ومقتضى هذا المسلك أن الأمر بالأهم وإن لم يكن بوجوده مانعاً عن وجود الأمر بالمهم ولكن مع صرف القدرة في امتثاله فإنه لا يثبت أصل الأمر بالمهم لفقد شرطه.
ولكن يمكن الخدش في البيان المذكور، بأن من المعلوم أن مطابقة الحكم في سعته وضيقه للملاك الكامن في متعلقه هي مقتضى تبعية الأحكام للمصالح والمفاسد، ولا يجوز أن يكون الحكم أضيق دائرة من الملاك إلا إذا كان هناك محذور عقلي يمنع من تطابقهما في الحدود, والمسلّم بروز هذا المحذور في إطلاق الحكم بالنسبة إلى ما لا يقدر المكلف على الإتيان به، بمعنى عدم كونه بحيث لو شاء فعل ولو شاء ترك, فلا يجوز أن يطلق المولى الحكم بوجوب إنقاذ الغريق ليشمل صورة كون المكلف مشلول اليدين مثلاً، فإن الحكم الوجوبي إنشاء بداعي جعل الداعي بالإمكان في نفس المكلف، وهذا غير متصور بالنسبة إلى من يكون عاجزاً عن الإتيان بمتعلق التكليف.
وأما إطلاق الحكم بالمهم بالنسبة إلى صورة صرف المكلف قدرته في امتثال الأمر بالأهم فهو لا يستلزم المحذور المذكور كما هو واضح, ولا موجب غيره لتقييد الحكم بغيرها.
[١] بحوث في علم الأصول ج:٧ ص:٦٥.