بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٩١ - هل يعتبر إذن الأبوين في أداء الحج تطوعاً إذا كان مستلزماً لأذيتهما؟
مثلاً: إذا كان الوالد يتأذى من إكمال الولد دراسته الجامعية باعتقاد أنها لا تؤمّن مستقبله بل يؤمّنه العمل التجاري مثلاً، في حين أن الولد يرى مستقبله في إكمال دراسته ويجد في تركها ضرراً عليه أو حرجاً شديداً لا يُتحمل عادة، فهل يمكنه الاستناد إلى قاعدة (لا ضرر) و(لا حرج) في نفي الحرمة؟
ربما يُمنع من ذلك، من جهة أن القاعدتين واردتان مورد الامتنان فلا يمكن إعمالهما في مورد يكون فيه خلاف الامتنان على الغير وهو الأب أو الأم في المقام.
ولكن هذا الكلام غير صحيح، فإن ورود القاعدتين مورد الامتنان ــ إن سلّم ــ إنما يقتضي عدم شمولهما للحكم الذي يكون في رفعه خلاف الامتنان على من يتوجه إليه ذلك الحكم، ولذلك قالوا: إن قاعدة (لا حرج) لا تصلح للاستناد إليها في عدم صحة الوضوء الحرجي، لأنه خلاف الامتنان على المتوضي المتحمل للحرج، وكذلك قاعدة (لا ضرر) لا تصلح للاستناد إليها في رفع وجوب الحج ممن تركه من قبل من دون عذر، لأن رفعه خلاف الامتنان عليه إذ يوجب تثبيت استحقاقه لعقوبة ترك الحج.
وأما إذا كان إعمال القاعدتين موافقاً للامتنان على من يتوجه إليه الحكم ولكنه خلاف الامتنان على غيره فلا مانع من إعمالهما، إذ ليس حالهما حال حديث (رفع عن أمتي تسع) الذي قال الأعلام (رضوان الله عليهم) بأنه لا يصلح لرفع الحكم الذي يكون رفعه خلاف الامتنان على بعض أفراد الأمة، فإن التعبير بـ(عن أمتي) في ذلك الحديث هو الذي عدَّ قرينة على إرادة الامتنان على جميع أفراد الأمة، ولكن حديث (لا ضرر ولا ضرار) وقوله تعالى [١] : ((لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا)) ــ الذي هو الدليل على قاعدة نفي الحرج ــ لا يتضمنان ما يقتضي الاختصاص بصورة عدم المنافاة للامتنان على الغير.
وبذلك يظهر أنه لو بني على حرمة تصرف الولد في ما يتعلق بشؤون نفسه إذا كان موجباً لتأذي أحد أبويه شفقة عليه فإنما ينبغي الالتزام بها في غير
[١] البقرة:٢٨٦.