بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٥٤١ - هل أن مزاحمة الحج بواجب أهم يوجب سقوط الوجوب أم لا؟
مقيداً بعدم صرف القدرة في امتثال ما لا يقل عن متعلقه أهمية ولم يمتثل المكلف أياً منها فإن جميعها تكون فعلية ومنجزة في حق المكلف، لتحقق القيد اللبّي المذكور بالنسبة إلى الجميع، أي أن الأمر بإنقاذ زيد مثلاً يكون فعلياً ومنجزاً، لأنه لم يصرف حسب الفرض قدرته في إنقاذ غيره، وكذلك الأمر بإنقاذ عمرو والأمر بإنقاذ خالد، وهكذا في بقية الخمسين غريقاً, وعلى ذلك فهو يستحق خمسين عقوبة لا محالة، بالرغم من أنه لم تكن له إلا القوة عضلية واحدة تفي بإنقاذ واحد منهم فقط.
وهذا مما لا يوافق عليه العقلاء، ولا سيما مع تساوي الواجبات المتزاحمة في الأهمية, أي أنهم لا يرون استحقاق المكلف المتخلف عن الإتيان بأيٍّ منها لأزيد من عقوبة واحدة, وهو ما يمكن توجيهه بناءً على الوجه الثاني المتقدم، أي كون قصور القدرة عن الجمع بين أداء الواجبات المتزاحمة مؤثراً في مرحلة التنجز، وذلك بالالتزام بأن المنجز من تلكم التكاليف المتساوية في الأهمية ليس إلا واحد منها على البدل, فلو لم يمتثل المكلف أياً منها فلا يستحق إلا عقوبة واحدة، إذ لا عقوبة إلا على عصيان التكليف المنجز.
وأما على الوجه الأول فلا يمكن التنصل من الالتزام بتعدد العقوبة، وهو ما لا يطابق الرؤية العقلائية كما تقدم.
نعم حاول بعض الأعلام (طاب ثراه) [١] التنصل منه بالالتزام بأن استحقاق العقوبة لا يترتب على مجرد مخالفة الخطاب المولوي الإلزامي، بل لا بد مع ذلك من كونها بنحو يؤدي إلى فوات الملاك على المولى, وحيث إن المفروض في مورد الكلام أن المكلف لم يفوّت باختياره على المولى إلا ملاكاً واحداً، وأما بقية الملاكات فقد كانت فائتة عليه لا محالة فلا موجب للالتزام بتعدد العقوبة.
ولكن هذا الكلام غريب، سواء على مسلكه (قدس سره) [٢] القائل بأن استحقاق العقاب على مخالفة التكليف المولوي الإلزامي إنما هو من مدركات العقل
[١] بحوث في علم الأصول ج:٢ ص:٣٦٢.
[٢] بحوث في علم الأصول ج:٤ ص:٢٨.