بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٤٥٥ - إذا كان الطريق غير آمن من الضرر فهل يجب أداء الحج ام لا؟
وبالجملة: المناقشة المذكورة وإن كانت غير تامة إلا أنه يظهر منها عدم تبني السيد الأستاذ (قدس سره) لطريقية الخوف لا شرعاً ولا عقلاءً, و إلا لم يناقش بما ذكر كما هو ظاهر.
ومهما يكن فالملاحظ أنه (قدس سره) لم يقم شاهداً على ما ادعاه في كلماته الأخرى من كون خوف الضرر طريقاً إليه عقلاءً, نعم ذكر في كتاب الصوم [١] أنه: (لا يبعد أن يكون هذا ــ أي الخوف ــ طريقاً عقلائياً في باب الضرر مطلقاً، كما يفصح عنه ما ورد في مقامات أخر غير الصوم ..) ثم أشار إلى ما ورد في النصوص في عدد من الموارد التي سبق ذكرها, ولكن ما أفاده أنسب بدعوى طريقية الخوف شرعاً كما لا يخفى.
وعلى أيّ حال فإن الذي يمكن إحرازه بتتبع السيرة العقلائية هو اهتمام العقلاء بخوف الضرر وعدم عدّه كأن لم يكن، بل ترتيب بعض الآثار عليه، ولكن هذا لا يقتضي بناءهم على طريقيته وأماريته. وتوضيح ذلك:
أنه لا شك في أن بناء العقلاء على الاعتناء بالاحتمال في الأمور المهمة، وتتفاوت درجة الاحتمال الذي يعتنى به من قبلهم بتفاوت درجة الأهمية في متعلقه ــ أي المحتمل ــ فكلما كان المحتمل أزيد أهمية اعتنوا فيه بدرجة أدنى من الاحتمال، والعكس بالعكس, فما يكون في غاية الأهمية كحفظ النفس من خطر الهلاك يعتنى فيه بأضعف الاحتمال الذي لا يطمأن بخلافه، وما يكون بدرجة أقل من الأهمية لا بد أن يكون الاحتمال فيه أقوى من ذلك حتى يعتنى به وهكذا.
وأساس ذلك أن الاحتمال ــ بجميع درجاته ــ يحمل درجة من الكشف كما مرّت الإشارة إليه آنفاً، وكلما ازداد قوة تزداد درجة كشفه إلى أن يبلغ القطع فيكون كشفه حينئذٍ تاماً، ولا يقتصر العقلاء في جميع أمورهم على ما يكون كشفه تاماً أو شبه تام ــ وهو الاطمئنان ــ أو على ما بنوا ــ كما يدعى ــ على تتميم كشفه مما يوجب الظن نوعاً كخبر الثقة. بل الملاحظ أنهم يعتنون في
[١] مستند العروة الوثقى (كتاب الصوم) ج:١ ص:٤٥٦.