بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٤١٦ - دلالة الروايات على عدم كفاية الاستطاعة العرفية في وجوب الحج بل لا بد من توفر المال والصحة بالفعل
الحج, فلتحمل صحيحة الحلبي على خصوص هذه الحالة بقرينة الروايات المذكورة، فتدبر.
والحاصل: أن الصحيحة المذكورة لا تنهض دليلاً على خلاف ما دلت عليه الروايات المتقدمة من اعتبار وجود المال الوافي بنفقة الحج في وجوب الخروج إليه.
الرواية الثانية: صحيحة ذريح المحاربي [١] عن أبي عبد الله ٧ قال: ((من مات ولم يحج حجة الإسلام لم يمنعه من ذلك حاجة تجحف به، أو مرض لا يطيق فيه الحج، أو سلطان يمنعه، فليمت يهودياً أو نصرانياً)).
فإن ظاهر هذه الرواية أنه يكفي في وجوب أداء الحج مطلق التمكن من توفير نفقته بحيث لا يعذر المسلم في تركه إلا إذا كانت به حاجة مجحفة أي فاقة شديدة وفقر مدقع يمنعه من الخروج إلى الحج, وأين هذا مما يستفاد من موثقة أبي بصير من اختصاص وجوب الحج بالموسر أي الغني فإنه مشتق من (أيسر) أي صار غنياً كما نص عليه أهل اللغة [٢] .
بل يمكن أن يقال: إنه لا ينسجم أيضاً مع ما دلت عليه صحيحتا معاوية بن عمار ومحمد بن مسلم من اشتراط توفر المال فعلاً في وجوب الحج, فإن من لا يوجد لديه مال بالفعل ولكن يتمكن من تحصيله بالاكتساب اللائق بشأنه لا يصدق عرفاً أن به حاجة تجحف به، وكذلك إذا كان متمكناً من الاقتراض مع الوفاء لاحقاً بيسر وسهولة.
وعلى ذلك فصحيحة ذريح المذكورة معارضة للروايات الثلاث المتقدمة, فلا تصلح تلك الروايات دليلاً على أن توفر المال بالفعل شرط في وجوب الحج كما هو المدعى.
أقول: يمكن أن يقال: إنه لا محيص من تأويل صحيحة ذريح وحملها على ضرب من التشديد في مقام البيان، لأن ما هو ظاهرها من كون المانع من وجوب
[١] الكافي ج:٤ ص:٢٦٨.
[٢] الصحاح ج:٢ ص:٨٥٨. تاج العروس ج:٧ ص:٦٣٤.