بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٤١٥ - دلالة الروايات على عدم كفاية الاستطاعة العرفية في وجوب الحج بل لا بد من توفر المال والصحة بالفعل
ولكن هذا البيان مخدوش, فإن الإمام ٧ لم يفسر السبيل بـ(ما يحج به) ــ وإن كان الحلبي قد سأل عما يراد بالسبيل ــ و إلا لكان ينبغي أن يقتصر على الجملة المذكورة ولا يضيف إليها قوله: (أن يكون له)، فإن هذه الإضافة قرينة على أنه ٧ قد أعرض عن تفسير السبيل وحده وعدل إلى تفسير قوله تعالى: ((اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً)) بتمامه, فإنه الذي يصلح أن يفسر بقوله ٧ : ((أن يكون له ما يحج به))، وأما السبيل وحده فلا يصلح أن يفسر بذلك كما لا يخفى.
وعلى ذلك فإن هذه الصحيحة الثانية للحلبي تماثل صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة التي مرّ أنها ظاهرة في إناطة وجوب الحج بتوفر المال الوافي بنفقته وعدم كفاية التمكن من تحصيله بالتكسب ونحوه.
وأما الصحيحة الأولى فيمكن أن يناقش في دلالتها على ما ذكر من جهة ما نص عليه الخليل (رحمه الله) [١] وغيره من أن معنى قولهم: (قدر على الشيء) هو أنه ملكه, فإن مقتضاه أن يكون معنى قوله ٧ : ((إذا قدر الرجل على ما يحج به)) هو أنه إذا ملك الرجل ما يحج به، فتكون هذه الصحيحة مماثلة للروايات المتقدمة في الدلالة على عدم كفاية التمكن من تحصيل نفقة الحج في وجوب الخروج إليه.
ولو بني على أن (قدر) إنما هو بمعنى (تمكن) ــ لا بمعنى ملك ــ كما هو المتعارف في كثير من موارد الاستعمال فإنه يمكن أن يقال ..
أولاً: إن بالإمكان الجمع العرفي بين صحيحة الحلبي المذكورة وبين الروايات الثلاث المتقدمة بالبناء على أن المراد بـ(ما يحج به) في الصحيحة هو الزاد والراحلة ونحوهما مما يحتاج إليه في سفر الحج، ويكون المراد بالتمكن منها هو امتلاك المال الوافي بتحصيلها, فإنه بذلك يرتفع التنافي بين النصوص المذكورة, فتأمل.
وثانياً: إن التمكن مما يحج به لا يختص بما إذا لم يكن المال موجوداً لدى المكلف وإنما كان مما يتيسر له الحصول عليه, بل هو أعم مما إذا كان موجوداً لديه بالفعل, فيراد بالتمكن منه عندئذٍ هو القدرة على التصرف فيه في سبيل أداء
[١] العين ج:٥ ص:١١٣. لسان العرب ج:٥ ص:٧٦.