بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٤١٤ - دلالة الروايات على عدم كفاية الاستطاعة العرفية في وجوب الحج بل لا بد من توفر المال والصحة بالفعل
ويبدو أن محمد بن مسلم فهم من جواب الإمام ٧ عدم اعتبار أن يكون توفر ما يحج به على سبيل الملكية بل يكفي أن يكون على سبيل الإباحة فسأل عن حكم من عرض عليه الحج ولكنه استحيا, أي سأل عن أن الاستيحاء هل هو عذر مانع عن فعلية الوجوب؟ فأجابه الإمام ٧ بأنه ليس عذراً, فيستفاد من هذه الصحيحة أن العبرة في وجوب الحج هي بتوفر المال الوافي بنفقته على سبيل الملك أو الإباحة.
وكيفما كان فهذه الروايات الثلاث تفي بالدلالة على عدم وجوب حجة الإسلام على من ليس له ما يحج به وإن كان قادراً على تحصيله، وكذلك على من هو مريض لا يتيسر له أداء الحج بوضعه الحالي وإن كان قادراً على علاج نفسه, فينبغي أن تعدّ الروايات المذكورة بمثابة المقيد لإطلاق الآية الكريمة.
ولكن يمكن أن تذكر في مقابلها روايتان ..
الرواية الأولى: صحيحة الحلبي [١] عن أبي عبد الله ٧ , قال: ((إذا قدر الرجل على ما يحج به ثم دفع ذلك وليس له شغل يعذره الله فيه فقد ترك شريعة من شرائع الإسلام)).
فإنه يمكن أن يقال: إن هذه الصحيحة ــ بخلاف الروايات السابقة ــ تدل على كفاية القدرة على تحصيل نفقة الحج في وجوب الخروج إليه, ولا يشترط فيه وجود النفقة بالفعل.
وقد يعدّ نظيرها صحيحة الحلبي الأخرى [٢] عن أبي عبد الله ٧ في قول الله عز وجل: ((وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً)) . قال: ما السبيل؟ قال: ((أن يكون له ما يحج به ..))، بدعوى أن الإمام ٧ فسّر السبيل بـ(ما يحج به)، ومقتضاه أن تكون الاستطاعة بمعنى التمكن ليصير مفاد الآية الكريمة وجوب الحج على من تمكن مما يحج به, وهذا عبارة أخرى عما ورد في الصحيحة الأولى من كفاية القدرة على تحصيل ما يحج به في وجوب أداء الحج.
[١] تهذيب الأحكام ج:٥ ص:٤٠٣.
[٢] الكافي ج:٤ ص:٢٦٦.