بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٣٨٤ - دعوى دلالة الآية على اعتبار القدرة الشرعية في وجوب الحج والجواب عنها
حكم الوقوع في الحرج الشديد المزاحمة مع تكليف ثبتت له الأولوية الملزمة.
بقي هنا شيء، وهو أن المتداول في كلمات الأعلام (قدّس الله أسرارهم) أنه متى أخذت القدرة أو ما هو بمعناها في لسان الخطاب فإنه يستفاد منه دخالتها في الملاك، أي إناطة الملاك بوجودها، فكما لا يتوجه الخطاب إلى فاقد القدرة كذلك لا ملاك للحكم بالنسبة إليه. وقد اصطلحوا على القدرة التي تكون معتبرة في الملاك بالقدرة الشرعية في مقابل القدرة العقلية التي تعتبر في متعلق التكليف من حيث عدم إمكان تكليف العاجز عقلاً، لا من حيث عدم مقتضي التكليف وملاكه في حقه.
فيلاحظ أن القدرة الشرعية تطلق عندهم على معنيين: تارة على القدرة على الإتيان بالفعل من دون الإخلال بامتثال تكليف شرعي، وهي ما تقدم في الدرجة الثالثة من درجات القدرة. وأخرى على القدرة المعتبرة في مقتضي الحكم وملاكه, ويمكن أن تكون من أي من الدرجات الثلاث.
والسؤال المطروح هنا هو أنه ما هو الوجه في استفادة دخل القدرة في الملاك عند أخذها في لسان الخطاب؟
قد ذكر بعض الأعلام (قدس سره) [١] في وجهه: (أن التقييد إن كان باعتبار دخل القدرة في الملاك كان تأسيساً، وإلا كان تأكيداً لحكم ثابت في نفسه بمقتضى حكم العقل، والأصل في الخطابات الشرعية أن تكون تأسيساً.
وبعبارة أخرى: إن اشتراط القدرة في الخطاب بعد أن كان أمراً واضحاً مركوزاً عند العرف وبمثابة المقيد اللبي المتصل بالخطاب كان تصدي المولى مع ذلك للتصريح به وإبرازه ظاهراً في أنه بصدد إفادة معنى زائد على ما هو منكشف في نفسه، وليس ذلك المعنى إلا دخل قيد القدرة في الملاك، وأنه من دونها لا مقتضي للحكم).
وهذا البيان إن تم فإنما يتم فيما لو بني على ما تقدم من السيد الأستاذ (قدس سره) وغيره من استظهار القدرة العقلية ــ أي الدرجة الأولى من درجات القدرة ــ من
[١] بحوث في علم الأصول ج:٧ ص:٧٦.