بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٣٨٢ - دعوى دلالة الآية على اعتبار القدرة الشرعية في وجوب الحج والجواب عنها
وعلى العكس من ذلك في مثال الزلزال فإنه لما كانت قدرته قاصرة عن الجمع بين إنقاذ المصابين وأداء العمل الوظيفي وكان الأول هو الذي يحظى بالأولوية الملزمة عدّ عرفاً غير قادر على أداء عمله الوظيفي ويمكنه الاعتذار عن عدم الحضور في محل العمل بأنه ليس قادراً عليه لاشتغاله بإنقاذ المصابين في الزلزال.
وبالجملة: إن مجرد اشتغال ذمة المكلف بأداء عمل مزاحم لما هو قادر عليه في حدّ ذاته لا يجعل منه غير مقدور له عرفاً، بل لا بد من ثبوت الأولوية الملزمة للأول حتى يعدّ غير قادر على الثاني.
وعلى ذلك فإذا كان هناك ما يفوق الحج أهمية كإنقاذ النفس المحترمة وتوقف القيام به على ترك الحج صدق عرفاً أنه غير قادر على أدائه، وأما مجرد توجه التكليف إليه بأداء ما هو مزاحم للحج من دون أن يترجح عليه فإنه لا يمنع من صدق القدرة على أدائه عرفاً.
ولكن هذا التفصيل غير تام أيضاً، فإن اشتغال الذمة بما هو أهم من الحج لا يمنع من صدق القدرة على الإتيان به بمعنى إن شاء فعل وإن شاء ترك التي هي شرط في فعلية كل تكليف. نعم القدرة بمعنى القوة المنبثة في العضلات تعدُّ عند العقلاء مخصصة في مثل ذلك لامتثال التكليف بالأهم، ولكن هذا إنما يمنع من تنجّز التكليف بالمهم لا من فعليته كما سيأتي توضيحه قريباً.
وأما قول الطبيب في المثال المتقدم: (لا أقدر، عندي وظيفة) فإنما يعدُّ مقبولاً عرفاً بشرط صرف قدرته في الإتيان بواجبه الوظيفي، وأما بخلاف ذلك فهو يعدُّ عندهم قادراً على الإتيان بما طلب منه من زيارة المريض للفحص الدوري.
وبالجملة: مجرد اشتغال الذمة بواجب آخر وإن كان أهم لا يوجب منع صدق القدرة ــ بمعنى إن شاء فعل وإن شاء ترك ــ على الإتيان بمزاحمه، نعم يمنع من تنجّز التكليف بالإتيان به كما سيأتي في محله.
وهكذا يتضح أنه لا سبيل إلى استظهار اعتبار القدرة الشرعية بالمعنى