البرصان و العرجان و العميان و الحولان - عمرو بن بحر الجاحظ - الصفحة ٣٥
و ذكر العميان، و كان الذي ترك منهم أكثر مما ذكر.
و العرج الأشراف-أبقاك اللّه-كثير. و العمى الأشراف أكثر.
و لكن ما معناه في أن أبا فلان كان أعمى، إن[١]لم يكن إنّما اجتلب ذكر العرج و العمي ليحصّل ذاك سببا إلى قصص في أولئك العرجان، و إلى فوائد أخبار في أولئك العميان. و إلى أنّ جماعة فيهم كانوا يبلغون مع العرج مالا يبلغه عامّة الأصحّاء، و مع العمى يدركون ما لا يدرك أكثر البصراء؛ و لما جاء أيضا في ذلك من الأشعار المصحّحة، و من الأمثال المضروبة، و كيف تهاجوا بذلك و تمادحوا به، و كيف جزع من جزع و صبر من صبر، و ما رووا في ذلك من الأخبار النافعة، و الأحاديث السائرة، و اللفظ المونق و المعنى المتخيّر، و كيف تبيّن ذلك النقص، و ظهر ذلك الخلل على بعض و لم يتبيّن على بعض.
و لو ذكرنا-حفظك اللّه-أنّه ممّن[٢]سقي بطنه[٣]عثمان بن أبي العاص، و عمران بن الحصين، و خبّاب بن الأرت، و قبيصة بن المهلّب، و فلان و فلان، ثم لم نذكر حسن عزائهم، و نوادر كلامهم عند نزول تلك الحوادث، و عند توقّع الفرج من تلك المضايق، و أىّ شيء كرهوا من أصناف العلاج و حرّموه، و أيّ شيء استجازوه و استحلّوه، و الذي رووا من الأحاديث في ذلك الداء، و الروايات في ذلك الدواء، [١]في الأصل: «إذا» .
[٢]في الأصل: «أن» و لا يلتئم مع ضبط باء «خباب» في الأصل بالضم، و كذلك مع قوله «و فلان و فلان» بالرفع.
[٣]سقى بطنه يسقي سقيا، و استسقى استسقاء: اجتمع فيه ماء أصفر. و يقال أيضا:
«سقى» بالبناء للمجهول. و في الأصل: «شق بطنه» ، تحريف، و سيعقد الجاحظ فصلا لهؤلاء فيما سيأتي.