البرصان و العرجان و العميان و الحولان - عمرو بن بحر الجاحظ - الصفحة ٣١
و ذكرت لي كتاب الهيثم بن عديّ[١]في ذلك، و قد خبّرتك أن لم أرض بمذهبه، و لم أحبّه له حظّا في حياته، و لا لولده بعد مماته.
و أنا أحذّرك اللّجاج و التتايع[٢]، و أرغب إلى اللّه لك في السّلامة من التلون و التزيّد، و من الاستطراف و التكلّف؛ فإن اللّجاج لا يكون إلاّ من خلل القوّة، و إلاّ من نقصان قد دخل على التمكين. و اللّجوج في معنى المغلوب، و المتطرّف في معنى الغالب و المكتفي. و لا يكون إلاّ و العقدة منحلّة، و النفس منقوضة، ثم لا بدّ من أن يتّصل ضعف المنّة بقلّة المعرفة.
و متى نقصت المعرفة لم تكن المنّة فاضلة[٣]، و كان الفاعل إما لجوجا مشايعا[٤]، و إمّا ذا بدوات متلوّنا[٥].
فاعرف فصل ما بين التصرّف و التلوّن.
و ليس الاعتراض من صفة اللّجاج، و قد يكون الاعتراض محمودا و مذموما و لا يكون اللّجاج إلاّ مذموما.
و التلوّن: أن يكون سرعة رجوعه عن الصّواب كسرعة رجوعه عن [١]هو أبو عبد الرحمن الهيثم بن عدي بن عبد الرحمن الثّعلي الطائي النجدي الكوفيّ النسّابة. و كان محمد جالس المنصور و المهدى و الهادي. و كان دعىّ النسب. و فيه يقول أبو نواس:
إذا نسبت عديا في بني ثعل # فقدم الدال قبل العين في النسب
و له تصانيف كثيرة سردها ابن النديم و ياقوت. ولد قبل سنة ١٣٠ و توفي سنة ٢٠٧.
الفهرست ١٤٥-١٤٦، و معجم الأدباء ١٩: ٣٠٤، و وفيات الأعيان ٢: ٢٠٣-٢٠٦، و لسان الميزان ٦: ٢٠٩.
[٢]التتايع، بالياء قبل العين: التهافت و الوقوع في الشر.
[٣]المنة، بالضم: القوة. فاضلة: زائدة، من الفضل و هو الزيادة.
[٤]فى الأصل: «مسائعا» بدون نقط.
[٥]سبق تفسير البدوات في ص ٢٧.