البرصان و العرجان و العميان و الحولان - عمرو بن بحر الجاحظ - الصفحة ١٦ - منهج الكتاب
و زهّدتك فيه. و ذكرت لي كتاب الهيثم بن عدي في ذلك، و قد خبّرتك أني لم أرض مذهبه، و لم أحبه له حظا في حياته، و لا لولده بعد مماته» [١].
ثم يسوق الجاحظ نموذجا من كتاب الهيثم بن عدي في العرجان، الذي ليس فيه إلا سرد أسماء من ذكرهم من العرج الأشراف، و يعقّب عليه بقوله: «و لم يك ذكر غير هؤلاء» . ثم يقول:
«و ذكر العميان، و كان الذي ترك منهم أكثر مما ذكر. و العرج الأشراف أبقاك اللّه كثير، و العمى الأشراف أكثر» .
فمذهب الجاحظ في هذا الكتاب ليس مذهب السرد أو التشهير، أو ذكر المثالب كما عناه الهيثم بن عدي صاحب كتاب المثالب، و إنما كان مذهبه في هذا الكتاب الفذ أن يجعله ذريعة إلى بيان نظرة العرب في أدبهم و أشعارهم إلى هؤلاء القوم الذين كتبت عليهم العاهة، و تعاملهم الإنسانيّ الرفيع معهم بالقول و الفعل، الذي قد يصل إلى الإسراف في مدحهم إياهم بما بدا عليهم من تلك المظاهر أو استتر.
و حينما يتناول البرص و البرصان يسهب القول و يفيض فيه و يذكر أنواعه و أسماءه، ثم يتطرق إلى بيان مختلف أسبابه و علله و محاولات العرب و غيرهم في علاجه بضروب من الأصباغ، و ألوان من الكى بالنار.
و هو كذلك لا يذكر الأمراض و العلل الأخرى كالاستسقاء و اللّقوة و الشجج، إلا ليذكر الذي رووا من الأحاديث و الأخبار في ذلك الداء، و من الروايات في ذلك الدواء، و كيف كانت تعزية العائد، و جواب المعود، و كيف كان دعاؤهم، و بأيّ ضرب من الكلام كان ابتهالهم؛ فإن ذلك [١]الصفحة ٤ من المخطوطة.