البرصان و العرجان و العميان و الحولان - عمرو بن بحر الجاحظ - الصفحة ١٥ - منهج الكتاب
بين الإنسان و الحيوان في كثير من الأمر، و من يسير من القول في العميان، و العوران، و الحولان، و الصمان، و الثّرم، أشرت إليه في حواشي الورقة السادسة من هذا التقديم.
و لم يرد الجاحظ بكتابه هذا أن يذكر العيوب و العاهات نعيا على أربابها، بل قصد بذلك أن يجلو صورة ناصعة مشرقة لذوى العاهات الذين لم تكن عاهاتهم لتحول بينهم و بين تسنّم الذرى. و قد مهّد لذلك بسرد شواهد و آثار من أدب العرب القدامى و المعاصرين له، في الاعتزاز ببعض العاهات و الدفاع عنها و الصعود أحيانا إلى الفخر بها و التمدّح، و صدق الانتماء.
و أشار في ذكاء إلى ذوي العاهات لهم ذمّة و ميثاق عند من يطّلعون على عوراتهم و عيوبهم من الأطباء الذين يظهرون على شتى العيوب الباطنة السرّيّة، و كذلك المغسّلون الذين يطّلعون على هنات الموتى، إذ يقول:
«و أول الشروط التى وضعت في أعناق الأطباء ستر ما يطّلعون عليه في أبدان المرضى. و كذلك حكم من غسّل الموتى» [١].
و هذه نظرة كريمة منه، و عزاء لمن تلقّى هذا الحظّ في دنياه بالرضا و الصبر، أو بالسّخط و الجزع.
و هو يقول في معرض النقد لكتاب الهيثم بن عدي، الذي كان تأليفه المغرض داعية لأن يطلب من الجاحظ تأليف هذا الكتاب:
«و قد خفت أن تكون مسألتك إياى كتابا في تسمية العرجان و البرصان، و العميان و الصمان و الحولان، من الباب الذي نهيتك عنه، [١]الصفحة ٨ من المخطوطة.