شرح أصول الكافي (صدرا) - الملا صدرا - الصفحة ١٠٧ - الشرح
و قال بعض الفضلاء: لا شك ان الانسان افضل الحيوانات و ليست تلك الفضيلة لقوته و صورته، فان كثيرا من الحيوانات يساويه او يزيد عليه، فاذن ليست تلك الفضيلة الا اختصاصه بالمزية النورانية و اللطيفة الربانية التى لاجلها صار مستعدا لادراك حقائق الاشياء و الاطلاع عليها و الاشتغال بعبادة اللّه على ما قال: وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (الذاريات- ٥٦).
و أيضا الجاهل كأنه فى ظلمة شديدة لا يرى شيئا البتة، و العالم كأنه يطير فى اقطار الملكوت و يسبح فى بحار المعقولات فيطالع الموجود و المعدوم و الواجب و الممكن و المحال. ثم يعرف انقسام الممكن الى الجوهر و العرض و الجوهر الى البسيط و المركب، و يبالغ فى تقسيم كل منها الى انواعها و انواع انواعها و تحليلها الى اجزائها و اجزاء اجزائها و الجزء الّذي به يشارك غيره، و الجزء الّذي به يمتاز عن غير حتى ينتهى فى الضرب الاول الى الاجناس البسيطة العالية، و فى الضرب الثانى الى الفصول البسيطة القاصية، و يعرف اثر كل شيء و مؤثره و مادته و صورته و جنسه و فصله، و لازمه و ملزومه و واحده و كثيره حتى يصير عقله كالنسخة المعقولة المأخوذة من جميع الموجودات اثبت فيها صور جميع المعلومات بتفاصيلها و اقسامها.
فأي سعادة فوق هذه الدرجة سيما و قد علمت ان علوم الانسان يصير فى القيامة اعيانا خارجية فيكون له فى ذاته عالم عظيم مفارق مصفى عن كل درن و ظلمة و آفة و شر تحت حيطته و تصرفه يفعل فيه ما يريد. و هذا هو الملك الدائم الّذي لا يزول و الجاه الرفيع الّذي لا يرتفع.
ثم انه بعد صيرورته كذلك تصير مكملة للناقصين جاعلة للنفوس الجاهلة عالمة، فيصير كالشمس فى عالم الارواح سببا للحياة الابدية لسائر النفوس. فيكون كبعض الملائكة واسطة بين اللّه و بين عباده فى نفخ روح الحياة العقلية على قوابل نفوسهم، و لذا قال تعالى: يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ (النحل- ٢)، فالعلم حياة النفس.
و المفسرون فسروا هذا الروح بالعلم و القرآن، فكما ان البدن بلا روح اى نفس،