شرح أصول الكافي (صدرا) - الملا صدرا - الصفحة ١٧٥ - الشرح
الشرح
لما كان هذا الباب متضمنا لمقصدين: احدهما الحث على السؤال عما هو ضرورى فى امر الدين لكل مسلم، و ثانيهما مذاكرة العالم، فالاحاديث الستة الماضية كانت فى المقصد الاول و هذا الحديث و الثلاثة البواقى فى تذاكر العلوم المتعلقة بامر المبدأ و المعاد و اصول الاعتقاد، فالمعنى: ان تذاكر العالم علومه و معارفه بين جماعة من عباد اللّه المستمعين لكلامه المستفيدين منه مما تحيى قلوبهم الميتة حياة اخرى.
و قد سبقت الاشارة مرارا الى ان العلوم الحقيقية و المعارف الالهية مما يتنور بها باطن الانسان و قلبه المعنوى و يحيى بها حياة عقلية يصعد بها الى عالم القدس و يصير ذاته من جوهر الملائكة المقربين و العقول المقدسين، و قوله: اذاهم انتهوا فيه الى امرى، يعنى ان مذاكرة العلوم انما توجب حياة القلوب الميتة اذا كانت مؤدية الى المعارف الالهية و العلوم الربانية من احوال المبدأ و صفاته و افعاله و احوال النبوة و المعاد.
و يحتمل ان يكون هذه التتمة من كلام النبي صلى اللّه عليه و آله، اى بشرط ان العلوم التى تتذاكر بها مقتبسة من مشكاة خاتم الأنبياء صلوات اللّه و سلامه عليه و آله، فان العقول البشرية بمجرد حركاتهم الفكرية قاصرة عن البلوغ الى درك ما ينكشف فى طور النبوة و الولاية كعجز الحس و الوهم عن البلوغ الى درك ما ينكشف فى طور العقل، فان كثيرا من المعارف الايمانية التى شهدت بصحتها اعاظم الاولياء و أماثل الكبراء مما احالته جمهور العقلاء.
منها هذه المسألة التى نحن فيها من صيرورة الانسان جوهرا قدسيا و حيوانا عقليا بعد ما كان جوهرا نفسانيا و حيوانا بشريا حسيا، فان اكثر الفلاسفة كابن سينا و من فى طبقته ينكرون هذه الحركة الجوهرية الواقعة فى حدود الانسانية و منازلها و مقاماتها، و نحن بفضل اللّه الّذي يؤتيه من يشاء اوضحنا بيانه و اقمنا برهانه مستمدا من بحار القرآن و آيات الرحمن مستضيئا بانوار التنزيل و اسرار التأويل.