شرح أصول الكافي (صدرا) - الملا صدرا - الصفحة ٣٥٠ - الشرح
الشرح
لما كان اشتمال القرآن السنة على كل شيء امرا غامضا دقيقا لا يتيسر لكل احد ان يعلم ذلك و يصدق به، لهذا كرر سماعة الاستفهام شبه الانكار فاكد ٧ فى الجواب تحقيقا لما استفهم عنه.
و انت يا حبيبى ان اردت ان تعرف حقيقة هذا الامر و انكشف لك سره على وجه الاجمال فاعلم: ان العلم بالاشياء الجزئية على وجهين: احدهما ان تعلم الاشياء من الاشياء بحس او تجربة او سماع خبر او شهادة او اجتهاد، و مثل هذا العلم لا يكون الا متغيرا فاسدا محصورا متناهيا غير محيط، فانه يلزم ان يعلم فى زمان وجودها علما و قبل وجودها علما اخر ثم بعده علما اخر.
فاذا سأل العالم بهذا العلم عن حادث ما كالكسوف مثلا حين وجوده يجيب بجواب فيقول مثلا: انكسف الشمس، و اذا سأل عنه قبل حدوثه يجيب بجواب اخر فيقول:
سيكون الكسوف، ثم اذا سأل بعده فيقول: قد كان الكسوف، فعلمه بشيء واحد تارة كان و تارة كائن و تارة سيكون فيتغير علمه، و مثل هذا العلم الانفعالى متغير فاسد ليس بيقين، اذ العلم اليقينى ما لا يتغير اصلا.
و ثانيهما: ان لا يعلم الاشياء من الاشياء بل بمباديها و اسبابها، فيعلم اوائل الوجود و ثوانيها و هكذا الى ان ينتهى الى الجزئيات علما واحدا و عقلا بسيطا محيطا بكليات الاشياء و جزئياتها على وجه عقلى غير متغير.
فمن عرف المبدأ الاول بصفاته اللازمة و عرف انه مبدأ كل وجود و فاعل كل فيض وجود، عرف اوائل الموجودات عنه و ما يتولد عنها على الترتيب السببى و المسببى كما يتولد مراتب العدد من الواحد على الترتيب، و ما من شيء من الاشياء يوجد الا و قد صار من جهة ما يكون واجبا بسببه و سبب سببه الى ان ينتهى إليه تعالى، فيكون هذه الاسباب بمصادماتها تتأدى الى ان يوجد عنها الامور الجزئية.
و هذا النحو من العلم انما يحصل لانسان فارقت نفسه الاوطان و المواد و التعلقات و هاجر الى اللّه تعالى كما قال عيسى ٧: انى مهاجر الى ربى