شرح أصول الكافي (صدرا) - الملا صدرا - الصفحة ٢٠٤ - الشرح
اذا اتضحت هذه المقدمات فلنرجع الى شرح الحديث، فقوله ٧:
لا يقبل اللّه عملا الا بمعرفة، لان قوام العمل يعنى العبادة كالصلاة و الصوم بمعرفة اللّه و نية التقرب إليه، و قصد الطاعة و الخضوع له و التشوق الى جنابه و الوصول الى جنانه و رضوانه. فمن لا معرفة له باللّه و اليوم الاخر، فكيف يشتاقه و كيف ينوى و يقصد التقرب إليه و هو لم يعرفه بعد؟ و لكن اذا عرفه يعلم انه مما يجب طاعته و التوسل إليه بطاعة و عبودية و هو معنى قوله ٧: فمن عرف دلته المعرفة على العمل.
فظهر ان المعرفة و النية روح العمل و ان كان العمل أيضا وسيلة إليه كالبدن للروح و البذر للثمرة كما نظمه بعض العرفاء:
|
الروح للجسم و النيات للعمل |
يحيى بها كحياة الارض بالمطر |
|
|
فتصير الزهر[١] للاشجار بارزة |
و كل ما تخرج الاشجار من ثمر |
|
|
كذلك تخرج من اعمالنا صور |
لها روائح من نتن و من عطر |
|
ثم لما كان كمال المعرفة و ازدياد نور القلب لا يحصل الا بتكرر الاعمال و ترادف الاحوال، فمن لم يعمل عملا صالحا فلا يتم و لا تبقى له معرفة، و هو قوله ٧: و من لم يعمل فلا معرفة له، فان العمل و العبادة و الرياضة مما يصفى النفس و يرقق القلب و يطهره فيستعد بذلك لفيضان الصور العلمية عليه.
و اما قوله ٧: الا ان الايمان بعضه من بعض، فيحتمل معنيين: لان الايمان اما ان يراد به نفس المعرفة و العلم باللّه و كتبه و رسله و اليوم الاخر او مجموع العلم و العمل و المعرفة و الطاعة، فمعناه على الاول: ان كل مرتبة من مراتب الايمان فى القوة و الكمال، يحصل من مرتبة اخرى منه سابقة لاجل العمل بها و هى دونها فى القوة و الكمال، ثم يؤدى هذه المرتبة أيضا بوسيلة العمل الى مرتبة اخرى لاحقة هى اشرف و اكمل من الاوليين و هكذا الى الغاية التى ليست بعدها غاية، و على الثانى كان المعنى: ان الايمان كل من جزئيه العلمى و العملى يحصل من الاخر، فعلمه يحصل من عمله و عمله يحصل من علمه على الوجه الّذي مربيانه و باللّه التوفيق.
[١] الاثمار. النسخة البدل فى الاصل للشارح.