شرح أصول الكافي (صدرا) - الملا صدرا - الصفحة ٢٢ - الشرح
الاخلاق المحمودة منبع الطاعات و القربات. فالعلم بحدود هذه الامور و حقائقها و اسبابها و علاماتها و ثمراتها و علاجها هو علم الآخرة و هو فرض عين فى فتوى علماء الآخرة و المعرض عنها هالك بسطوة ملك الملوك فى الآخرة، كما ان المعرض عن الاعمال الظاهرة هالك بسيف سلاطين الدنيا بحكم فتوى فقهاء الدنيا، فنظر الفقهاء فى فروض العين بالإضافة الى صلاح الدنيا و هذا بالإضافة الى صلاح الآخرة.
و لو سأل فقيه عن معنى من هذه المعانى حتى عن الاخلاص مثلا او عن التوكل او عن وجه الاحتراز عن الرياء لتوقف فيه مع انه فرض عينه الّذي فى اهماله هلاكه فى الآخرة. و لو سألته عن الظهار و اللعان و السبق و الرمى يسرد عليك مجلدات من التفريعات الدقيقة التى تنقضى الدهور و لا يحتاج الى شيء منها، و ان احتيج لم يخل البلاد عمن يقوم بها و يكفيه مئونة التعب فيها، فلا يزال يتعب فيه ليلا و نهارا فى حفظه و درسه و يغفل عما هو مهم نفسه فى الدين و يزعم انه مشتغل بعلم الدين و يلبس علم نفسه و على غيره.
و الفطن يعلم انه لو كان غرضه اداء حق الامر فى فرض الكفاية لقدم عليه فرض العين بل قدم عليه كثيرا من فروض الكفايات، فكم من بلد ليس فيه طبيب الا من اهل الذمة و لا يجوز قبول شهادتهم فيما يتعلق بالاطباء من احكام الفقه ثم لا ترى احدا يشتغل به و يتهافت[١] على علم الفقه لا سيما الخلافيات و الجدليات و البلد مشحون من الفقهاء، و ليس الباعث الا ان الطب ليس ميسر الوصول به الى تولى الاوقاف و الوصايا و حيازة مال الايتام و تقلد القضاء و الحكومة و التقدم به على الاقران و التسلط على الاعداء.
هيهات قد اندرس علم الدين بتلبيس علماء السوء و اللّه و المستعان و إليه اللياذ[٢] فى ان يعيدنا من هذا الغرور الّذي يسخط الرحمن و يضحك الشيطان. انتهى كلامه ثم لا يخفى ان قوله ٧: ان اللّه يحب بغاة العلم، اى طالبيه مما يدل على ان العلم الّذي طالبوه و محبوبون للّه ينبغى ان يكون علما شريفا إلهيا مقصودا لذاته لا الّذي هو مقصود لغيره مما يتعلق بالامور الخسيسة، فان الّذي يكون مقصودا لغيره
[١] يتهاترون« الاحياء».
[٢] و الملاذ« الاحياء» لاذ به لوذا و لياذا اى لجأ إليه و عاذ به.