شرح أصول الكافي (صدرا) - الملا صدرا - الصفحة ٢٠٣ - الشرح
و من لم يعمل فلا معرفة له، الا ان الايمان بعضه من بعض».
الشرح
قد مر ان الايمان و كل مقام من مقاماته كالصبر و الشكر و التوكل و غيرها، ينتظم من المعارف و الاحوال و الاعمال، فكل معرفة تثمر حالا و كل حال تثمر عملا و بالعكس من هذا الترتيب بعينه، فان كل عمل يتأدى الى اثر او حال فى النفس، و كل حال و صفاء فى النفس، يتأدى الى معرفة اخرى فيها، فكل من هذه الامور الثلاثة يكون أولا و آخرا فيتقدم على نفسه، لكن لا على سبيل الدور المستحيل، لان الّذي فى الاول غير الّذي فى الاخر بالعدد، و كيفية التقدم و التأخر و العلية و المعلولية فى احد الترتيبين غير التى فى عكسه. فان تقدم المعرفة على الحال و بتوسطها على العمل، تقدم بالذات و الطبع[١] كتقدم الفاعل على فعله، و تقدم العمل على الحال و بتوسطها على المعرفة تقدم بالزمان لا بالذات كتقدم القابل و استعداده على المقبول الحادث بعده.
فظهر ان كلا من العلم و العمل له مدخلية فى حصول الاخر بوجه دون وجه، لكن العلم كالروح و هو الاصل و العمل كالبدن و الفرع و الآلة، فقوام العمل بالعلم كقوام البدن بالروح، و لكن شرط دوام العلم و كماله و ازدياده مواظبة الاعمال، و مثالهما:
كمن يمشى بالليل المظلم و بيده مصباح، فكل خطوة منه لا يحصل الا بوقوع الضوء على موضع قدم، فاذا قطع ذلك الموضع بالحركة وقع الضوء على موضع اخر، فلا يزال كل حركة يتوقف على ضوء يستضيء به موضع، و كل ضوء يحصل عقيب حركة يقطع بها موضع اخر، و هكذا يترادف الاضواء و يتعاقب الحركات الى ان يتأدى الماشى الى الغاية و معه المصباح و انتهت الحركة، فهكذا يتكامل ايمان المرء بالمعرفة و الطاعة حتى بلغ الغاية و خلص من التعب و المشقة و معه نور اليقين و المعرفة يتنعم به فى الآخرة و يلتذ بمشاهدة الحضرة الالهية التى صورتها الجنة التى عرضها كعرض السماء و الارض.
[١] و العلية. النسخة البدل فى الاصل للشارح.