شرح أصول الكافي (صدرا) - الملا صدرا - الصفحة ٣٩٢ - الشرح
و بنظيره، فيكون هذا يزرع لهذا و هذا يطحن لذلك و ذاك يخبز للآخر و اخير يخيط لغيره و هذا يبنى و هذا يتخذ الحديد و هذا يتجر، و على هذا القياس حتى اذا اجتمعوا كان امرهم مكفيا، و لهذا اضطروا الى عقد المدن و الاجتماعات للمعاملات و المناكحات و سائر المعاونات و المشاركات.
و بالجملة لا بد فى وجود الانسان و بقائه من المشاركة و لا يتم المشاركة الا بالمعاملة و لا بد بالمعاملة[١] من سنة و قانون عدل و لا بد للسنة و العدل من سان و معدل، و لا يجوز ان يترك الناس و آرائهم و اهوائهم فى ذلك فيختلفون فيرى كل واحد منهم ما له عدلا و ما عليه ظلما و جورا، و لا بد ان يكون هذا المعدل و السان بشرا لا ملكا، لان الملك لا يراه الناس ما لم يتجسم لانه روحانى الذات لا يتمثل بشرا سويا الا من طريق الباطن لاهل النبوة و الكشوف، فان القوة البشرية لا تقوى على رؤية الملك فى صورة الملكية و انما رآهم الافراد من الأنبياء بقوتهم القدسية، ثم لو فرض ان يتجسم بحيث يراه سائر الخلق كجبرئيل فى صورة دحية لهم كان ملتبسا عليهم كالبشر كما قال تعالى: وَ لَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا وَ لَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ (الانعام- ٩)، فلا بد ان يكون الأنسان له خصوصية ليست لسائر الناس حتى يستشعر الناس فيه امرا لا يوجد لهم فيتميز به منهم فيكون له المعجزات التى اخبرنا بها.
و الحاجة الى هذا الانسان فى ان يبقى نوع البشر و يتحصل وجوده اشد من كثير من المنافع التى لا ضرورة فيها للبقاء، بل اكثر ما لها ان يقع الانتفاع لفضيلة من الوجود و البقاء كانبات الشعر على الحاجبين و تقعير الاخمص للقدمين و ما يجرى مجريهما من منافع الاعضاء التى بعضها للزينة و بعضها للسهولة فى الافعال و الحركات كما يظهر من علم التشريح.
و وجود هذا الانسان الصالح لان يسن و يشرع ممكن و تأييده بالآيات و المعجزات الموجبة لاذعان الخلق له ممكن، فلا يجوز ان يكون العناية الاول يقتضي تلك المنافع و لا هذه التى هى اصلها و عمدتها، و لا ان يكون المبدأ الصانع تعالى و الملائكة بعده
[١] فى المعاملة- م.