شرح أصول الكافي (صدرا) - الملا صدرا - الصفحة ٥٤٨ - الشرح
الأنبياء على سر الملائكة لخالفوهم، و لو اطلع الملائكة على سر اللّه لطاحوا حائرين و بادوا بائدين[١].
و السبب فى ذلك ان العقول و الاذهان لا يحتمل الاسرار القوية كما لا يحتمل الابصار الضعيفة كابصار الخفافيش نور الشمس، و كذلك كل مرتبة من النور القوى لا يحتمل ما هو اقوى منه و اشد كثيرا فيضمحل فى مشهده، و كذلك فى قوله: إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ (الكوثر- ١)، فالكوثر صورته صورة الماء و حقيقته حقيقة العلم.
لست اقول المراد من هذه الامثال الواردة فى القرآن مقصور على معانيها الباطنة العقلية من غير تحقق صور[٢] المحسوسة كما يقوله الباطنية كلا، بل نقول: الغرض منها العبور من مظاهرها الى مطاويها و من صورها الى معانيها، فان للقرآن ظهرا و بطنا و تفسيرا و تأويلا.
ثم اذا شبه العلم مطلقا بالماء فيترتب عليه تشبيه اقسامه باقسام المياه كتشبيه العلوم الحقة الخالية عن الشبه و الشكوك بالماء الطاهر الزلال و العلوم التى بخلافها بالماء الكدر المخلوط بالكثائف، و كتشبيه اليقينيات الدائمة بماء الجارى ابداء و التى بخلافها بالماء المنقطع، و تشبيه العلم الّذي يفيض من عند اللّه بالهامه بلا واسطة معلم بشرى بالماء النازل من السماء الجارى فى الاودية بلا سعى و تعمل آلة و حفر قناة و استنباط.
و الّذي يحصل بالفكر و الروية كالماء المستنبط من الارض بالحفر و نحوه، و الّذي يحصل بالتقليد كالماء الّذي يفرغ من حوض الى حوض و إليه الاشارة بقوله ٧: يفرغ بعضها من بعض، اشعارا بان علوم ائمة الضلال ليست مستفادة من قبل اللّه و رسوله و لا مأخوذة أيضا باستنباط من كتاب أو سنة، بل يأخذه بعضهم من افواه
[١] و مقام سر الاسرار الّذي هو سر اللّه تعالى هو الختميين صلى اللّه عليهم اجمعين، اذ الولاية المطلقة منصبهم الاعلى الّذي هو فوق المناصب و هى مظهر العجائب و مظهر الغرائب، و الولى المطلق هو سر اللّه السارى فى السموات و الارضين، اللّه نور السموات و الارض مثل نوره ...
الآية.« نورى».
[٢] صورها- م.