شرح أصول الكافي (صدرا) - الملا صدرا - الصفحة ٣٣٦ - الشرح
و الاوائل، و هى كلها مسببة عن السبب الاول جل اسمه الّذي يتسبب منه كل موجود ممكن و يتشعب منه كل عين و اثر و ينتشئ منه كل علم و خبر، و كل ما عرف سببه من حيث ما يقتضيه و يوجبه فلا بد و ان يعرف ذلك الشيء علما ضروريا دائما، و ما من شيء الا و ينتهى فى سلسلة الحاجات إليه تعالى و الى الاوائل الصادرة عنه، و اذا رتبت الاسباب و المسببات انتهت اوائلها الى مسبب الاسباب و انتهت اواخرها الى الجزئيات الشخصية، فكل كلى و جزئى ظاهر عن ظاهريته الاولى.
و قد تحقق فى العلوم الحقيقية بالبرهان اليقينى: ان العلم بسبب الشيء يوجب العلم به، فمن عرف ذاته تعالى باوصافه الكمالية، و نعوته الجلالية و عرف الاوائل و الغايات من العقول القادسة و منها الثوانى و المدبرات النفسانية و المحركات السماوية للاشواق الالهية و الاغراض الكلية العقلية بالعبادات الدائمة و النسك المستمرة من غير فتور و لغوب و اعياء فى الدءوب، الموجبة لان يترشح عنها صور الكائنات، فيحيط علمه بكل الامور و احوالها و لواحقها علما بريئا عن التغير و الشك و الغلط، فيعلم من الاوائل الثوانى و من الكليات الجزئيات المترتبة عليها، و هذه طريقة الصديقين فى معرفة الاشياء المشار إليها فى قوله تعالى: أَ وَ لَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (فصلت- ٥٣)، فانهم عرفوا اللّه أولا و عرفوا صفاته و من صفاته اوائل افعاله و من الاوائل الثوانى و هكذا حتى علموا الكليات و من الكليات الجزئيات و من البسائط المركبات، فعلموا حقيقة الانسان و احوال النفس الانسانية و ما يزكيها و يكملها و يسعدها و يصعدها الى عالم القدس و الربوبية و منزل الابرار و المقربين و ما يزكيها و يكملها و يسعدها و يصعدها الى عالم القدس و الربوبية و منزل الابرار و المقربين و ما يدسها و يرديها و يشقيها و يهويها الى اسفل السافلين و منزل الفجار و الشياطين علما ثابتا غير قابل للتغير و لا محتملا لتطرق الريب.
فهذه حال علوم الأنبياء و الاولياء و من يسلك منها جهم كما فى قوله تعالى:
قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَ مَنِ اتَّبَعَنِي (يوسف- ١٠٨)، و كل علم لم يحصل على هذه السبيل بل حصل من تقليد او سماع او ظن او قياس فليس من الحق فى شيء، إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً* (يونس- ٣٦).
فاذا تقرر ما ذكرناه فنقول: ان القرآن كتاب نازل من عند اللّه على رسوله صلى اللّه