شرح أصول الكافي (صدرا) - الملا صدرا - الصفحة ١٥٦ - الشرح
و آله بان يريه بعض ما وعده او يتوفاه قبل ذلك بين فى هذه الآية ان آثار تلك المواعيد قد ظهرت و علاماتها قويت و هو قوله: أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها وَ اللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَ هُوَ سَرِيعُ الْحِسابِ (الرعد- ٤١)، فانتقاص احوال الكفرة و ازدياد قوة المسلمين من اقوى العلامات و الامارات على ان اللّه منجز ما وعده، و نظيره قوله تعالى: أَ فَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها أَ فَهُمُ الْغالِبُونَ (الأنبياء- ٤٤).
و قال الفخر الرازى فى الكبير: و يمكن ان ذلك الوجه أيضا لائق بهذا الموضع و تقريره ان يقال: او لم يروا ما يحدث فى الدنيا من الاختلافات خراب بعد عمارة و موت بعد حياة و ذل بعد عز و نقص بعد كمال، و اذا كانت التغيرات محسوسة مشاهدة فما الّذي يؤمنهم ان يقلب اللّه الحال على هؤلاء الكفرة بان يجعلهم ذليلين بعد ان كانوا عزيزين و مقهورين بعد ان كانوا قاهرين، و على هذا الوجه فانه يجوز اتصال هذا الكلام بما قبله، و قيل: ننقصها من اطرافها بموت اهلها و تخريب ديارهم و بلادهم، فهؤلاء الكفرة كيف أمنوا من ان يحدث امثال هذه الوقائع؟ هذا غاية ما ينتهى إليه افكارهم و آراؤهم.
فان قلت: فما تأويل هذه الآية و معنى اتيانه تعالى الارض و ما الوجه فى كونها سببا لان يصير العالم الربانى سخيا يجود بنفسه فى طلب سرعة الموت او القتل؟
قلت: للآية تأويلان: احدهما بحسب الآفاق و الثانى بحسب الانفس، فالاول ان الكفرة لما كانوا منكرى المعاد و معتقدين ان الدنيا باقية فاشار تعالى الى انهم لو نظروا و تأملوا فى احوال الارض و تقلباتها و استحالاتها لرأوا انها يتلطف و يتصفى فيصير نباتا ثم حيوانا ثم انسانا فيتبدل صورة فصورة، فكانت صورة كثيفة ارضية فتدرجت فى اللطافة فصارت طبيعة حافظة للتركيب و الكيفية الاعتدالية ثم نفسا فاعلة للجذب و التغذية و النمو و التوليد ثم نفسا ذات حس و إرادة ثم صارت ذاتا روحانية ذات توهم و فكر و روية، فاشتدت لطافة و روحانية الى ان خرجت من هذه النشأة الى نشأة اخر فنقصت ارضيتها من جهة اطرافها و انضافت الى عالم الروحانية.
و المراد من اطرافها هو اواخر مراتبها اللطيفة التى بعدت عن غاية الكثافة و- الارضية و قربت فى التصفى و التزيد الى عالم الآخرة، و ذلك كله باتيان القوى الفعالة