شرح أصول الكافي (صدرا) - الملا صدرا - الصفحة ٥٤٢ - الشرح
يعنى اذا رأوا اهل النار الذين عرفوهم بسيماهم و ما هم عليه من الكفر و الفسق ظاهرا كان او باطنا استعاذوا باللّه و دعوا اللّه ان لا يجعلهم مع القوم الظالمين و لا يحشرهم مع هؤلاء، و مثل هذا الدعاء انما يليق و يفيد و يستجاب اذا كان العبد فى الدنيا دار الاكتساب، لان الآخرة دار الجزاء و الثواب و العقاب لا دار العمل و السعى، الا ترى ان اهل النار يدعون ربهم: خفف عنا يوما من العذاب و لا يفيد و لا يستجاب؟
و اما قوله تعالى: وَ نادَوْا أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ (الاعراف- ٤٦) فيحتمل الوقوع فى الدارين و كذا قوله: وَ نادى أَصْحابُ الْأَعْرافِ رِجالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيماهُمْ قالُوا ما أَغْنى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَ ما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ (الاعراف- ٤٨)، و ان كان الظاهر فيه كونه حكاية قولهم فى الآخرة بان يكون معناه: و نادى اصحاب الاعراف فى الآخرة رجالا كانوا يعرفونهم فى الدنيا بسيماهم، و قالوا ذلك القول و لكن يجوز حمله الوقوع فى الدنيا او على ما هو اعم، و على اى تقدير لا ينافى كون ما سبق من المذكورات اخبارا عن حال العارفين فى الدنيا.
فاذا تقررت هذه المقدمات فنقول: قوله ٧: نحن على الاعراف نعرف انصارنا بسيماهم، تنبيه على ان معنى على الاعراف على المعرفة و ان كلمة «على» هاهنا للاستعلاء المعنوى العلمى لا للارتفاع المكانى الوضعى، و فيه اشارة الى ان انصارهم اهل الجنة و اعدائهم اهل النار و هم يعرفون الفريقين فى الدنيا بسيماهم لا بظواهر اعمالهم الحسنة او السيئة.
و لا يبعد ان يكون فيه كناية لابن الكون و نظرائه الذين كانوا فى الظاهر من اهل العبادة و الزهد و كانت بواطنهم ملطخة بالكفر و العداوة و النفاق.
و قوله ٧: و نحن الاعراف الّذي لا يعرف اللّه الا بسبيل معرفتنا، اراد بالاعراف ما يعرف به الشيء سواء كان ما به المعرفة ذاتا او صفة من باب تسمية[١] الشيء باسم سببه و منشئه، فلا منافاة بين قوله: نحن على الاعراف و قوله: نحن الاعراف، و
[١] الظاهر هنا تسمية الشيء باسم مسببه لا السبب، و يمكن التوجيه بعيدا و الامر فيه سهل لمكان سهو القلم، و محصل التفرقة هاهنا هو ان المراد فى الاول هو المعرفة بمعنى العارفية و فى الثانى هو المعرفة بمعنى المعروفية التى مرجعها كون اللّه تعالى معروفا بهم : و كونهم ما يعرف به اللّه سبحانه، و لكن كونهم : ما يعرف به اللّه، محصلة كون اشعة انوارهم الفائضة على قلوب العرفاء باللّه سبحانه شعاع شعاع نور الانوار، فان انوارهم الربوبية عبارة عن تجلى نور الانوار و اشعة انوارهم عبارة عن تجلى نور التجلى الاول، و تجلى التجلى الاول ليس بمباين له، بل هو بمنزلة عكس العكس، و الكل يرجع الى التجلى الواحد الّذي له مراتب باعتبار اختلاف المظاهر و الترتب الواقع بين المرايا.
فافهم( نورى).