شرح أصول الكافي (صدرا) - الملا صدرا - الصفحة ٤٢١ - الشرح
ستر الغيب شيء من غرائب العلم تارة كالبرق الخاطف و اخرى على التوالى الى حد ما، و دوامه فى غاية الندرة، فلم يفارق الالهام الاكتساب فى نفس العلم و لا فى- محله و لا فى سببه و لكن يفارقه من جهة زوال الحجاب و ان ذلك ليس باختيار العبد.
و كذا لم يفارق الوحى الالهام فى شيء من ذلك بل فى مشاهدة الملك المفيد للعلم، فان العلوم انما يحصل فى قلوبنا من اللّه بواسطة الملائكة و إليه اشار بقوله: وَ ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ (الشورى- ٥١).
و اعلم ان اهل التصوف مالوا الى العلوم الالهامية دون الاستدلالية و التعليمية، فلذلك لم يحرسوا على دراسة العلم و تحصيل ما صنفه المصنفون، لانهم قالوا الطريق تقديم المجاهدة كما قال تعالى: وَ الَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا (العنكبوت- ٦٩)، و ذلك برفع العوائق و محو الصفات المذمومة و قطع العلائق كلها و الاقبال بكنه الهمة على اللّه تعالى.
و مهما حصل ذلك كان اللّه هو المتولى لقلب عبده و المتكفل لتنويره بانوار العلم، و اذا تولى اللّه امر القلب فاضت[١] الرحمة و اشرق النور فى القلب و انشرح الصدر و انكشف له سر الملكوت و تلألأت فيه حقائق الامور الالهية، فليس على المريد الا الاستعداد بالتصفية المجردة و احضار الهمة مع الإرادة الصادقة و التعطش التام و الترصد و التعرض لنفحات اللّه و الانتظار لما يفتحه اللّه تعالى من الرحمة.
اذ الأنبياء و كذا الاولياء : انكشف لهم الامور و فاض على صدورهم النور لا من جهة التعلم و الدراسة للكتب بل بالزهد فى الدنيا و التبري عن علائقها و الاقبال على اللّه تعالى بكنه الهمة، من كان للّه كان اللّه له، و زعموا ان الطريق فى- ذلك ان يقطع أوّلا العلائق كلها فيفرغ القلب عنها بالكلية من الاهل و المال و الوطن و عن العلم و الولاية و الجاه.
[١] فاضت عليه« الاحياء».