شرح أصول الكافي (صدرا) - الملا صدرا - الصفحة ٥٨٨ - باب فى ان الائمة شهداء الله عز و جل على خلقه
فالخيال يجردها تجريدا اقوى حيث يحضرها و يدركها مع غيبة المادة و احوالها لكن لا يجردها عن التعين المقدارى، و العقل يجردها تجريدا بالغا، فيعمل بالمحسوس عملا يجعلها معقولا كليا مفارقا بالكلية عن هذا العالم عالم الظلمة و التفرقة، و قوله تعالى: وَ جاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَ شَهِيدٌ (ق- ٢١)، اراد بالسائق القوة العملية و المحركة و بالشهيد القوة العلمية و المدركة.
و ما من نفس الا و لها هاتان القوتان لكن على مراتب متفاوتة فى الكمال و النقص و الشرف و الخسة و العلو و الدناءة، و ادناهما ما للحيوانات الناقصة فى الغاية كالاصداف و الحلزونات، فلها من الحس اللمس فقط و من الحركة الانقباض و الانبساط من غير مفارقة مكانه، فهذان حظها من السائق و الشهيد، و اعلاهما ما للكاملين فى العلم و العمل، و شهيدهم و سائقهم ملكان كريمان مقربان عقليان احدهما يهديه و الاخر يسدده و يسوقه الى الجنة و الرضوان، و بإزاء هذين الملكين لاهل الهداية و الكمال الشهوة و الهوى لاهل الغواية و الضلال، فالهوى يضله و يغويه و الشهوة يسوقه و يرديه الى اسفل دركة الجحيم و مبدؤهما الشيطان الرجيم[١].
اذا علمت معنى الشهيد فاعلم: انه قد يكون داخلا فى ذات الشيء مقوما له و بالجملة غير مباين لذاته فى الوجود كالامور التى ذكرناها، و قد يكون مباينا عن ذات الشيء و هو كالانبياء : بالقياس الى اممهم و كالأئمة : بالنسبة الى اتباعهم، فكل نبى شهيد على امته و كل امام قوم شهيد على قومه، و انما اوتى الشهيد
[١] بنائه على ما حققه المحققون المحقون من ان كلا من النورين: النور العلمى و النور العملى يتقوى و يستكمل شيئا فشيئا بحيث يصير نورا بسيطا محيطا بجملة الانوار التفصيلية، فالانوار التفصيلية يكون موجودة بضرب اشرف اجمالا و فائضة صادرة عنه تفصيلا، و لكل منهما مرتبة هيولانية، و بعدها مرتبة ملكة استعدادية و بعدها مرتبة يسمى بالعقل بالفعل الّذي يكون بسيطا محيطا مصدرا للصور التفصيلية التى يستفاد من ذلك البسيط المحيط الاجمالى، و هذا البسيط المحيط له درجات متفاوتة حسب تفاوت الاشخاص و استعداداتهم فطرة و كسبا، و غاية العملية انما هى غاية العلمية فتصير ان فى المآل واحدة« نورى».