شرح أصول الكافي (صدرا) - الملا صدرا - الصفحة ٣٥١ - الشرح
سيهدين[١]، فاذا ارتقى الى عالم الربوبية و افاض عليه من نوره صار عقله للاشياء عقلا بسيطا يعقل الاشياء بعلم اللّه الفائض عليه، فيكون مدركا للامور الجزئية من حيث هى دائمة كلية و من حيث لا كثرة و لا تغير فيه، و نسبة علمه بالاشياء الى سائر العلوم كنسبة القوة الباصرة الى ادراك اجزاء المبصرات بابصار واحد، فما وقع عليه سهم الشعاع البصرى يكون أولا و بالذات و هو اصدق رؤية ثم ما يليه و ما يلى يليه و هكذا الى الاطراف.
فهكذا حال علم الأنبياء و الاولياء : باشياء، فان العالم كله كشخص متصل اجزائه بعضها ببعض و علمهم بها كشعور النفوس بجميع اجزاء بدنها علما[٢] واحدا متفاوتا على ترتيب الاقرب فالاقرب و الالطف فالالطف، فانها شاعرة بذاتها أولا، و بواسطة شعورها بذاتها تشعر ما يقرب ذاتها من القوى و الارواح الكامنة فى القلب الّذي هو مثال العرش و الدماغ الّذي هو مثال الكرسى ثم بوساطتها الاعضاء اللطيفة و البسيطة ثم المركبة على ترتيب الالطف فالالطف حتى ينتهى الى الجلد و الشعر و الاظفار كل ذلك بعلم واحد بسيط، و لو اردنا بيان تفصيل ذلك الشعور و العلم الّذي لها باجزاء بدنها و قواها و مشاعرها لما يسع له المجلدات بل لادى ذلك الى غير متناه من العلوم.
و بالجملة من عرف كيفية علم اللّه تعالى و علم مقربيه من الملائكة بالاشياء الجزئية الكائنة الفاسدة المتعاقبة فى الكون علما كليا ثابتا دائما من غير تغير و زوال و لا استحالة و انتقال، و ان كانت المعلومات جزئية كائنة مستحيلة زمانية متجددة فى انفسها و بقياس بعضها الى بعض، امكنه ان يعلم حينئذ كيفية علم الأنبياء و الاولياء الكاملين : باحوال الموجودات الماضية و المستقبلة و علم ما سيكون الى يوم القيامة علما كليا ثابتا غير متجدد بتجدد المعلومات و لا متكثر بتكثرها، و عند ذلك يعرف معنى قوله تعالى و فيه تبيان كل شيء و يصدق بان جميع العلوم و المعانى فى القرآن الكريم عرفانا حقيقيا و تصديقا يقينيا على بصيرة لا على وجه تقليد او سماع او ما يجرى مجراهما.
إذ ما من امر من الامور الا و هو مذكور فى كتاب اما بنفسه او بمقوماته و اسبابه
[١] نقل الشارح كلامه ٧ بمعناه.
[٢] شعورا. النسخة البدل فى الاصل للشارح.