فوائد الاُصول - الغروي النّائيني، الميرزا محمد حسين - الصفحة ٧١٢ - المبحث الثالث
هذا المعنى مدلول دليل آخر لا بلسان التخصيص و التقييد، كما لو قال عقيب قوله «أكرم العلماء»: «العالم هو غير النحوي» أو قال: «النحوي ليس عالما» كان قوله هذا حاكما على قوله: «أكرم العلماء» مع أنّه ليس فيه شرح و تفسير لفظي، فتخصيص الحكومة بما يكون فيها شرح اللفظ بلا موجب، بل سيأتي في شرح عبارة الشيخ- قدّس سرّه- ما يظهر منه جريان الحكومة فيما بين الأصول العقلائيّة الّتي لا مسرح للفظ فيها.
فالتحقيق: أنّه لا يعتبر في الحكومة أزيد من أن يرجع مفاد أحد الدليلين إلى تصرّف في عقد وضع الآخر بنحو من التصرّف [١] إمّا بأن يكون مفاد أحدهما رافعا لموضوع الآخر في عالم التشريع، كما في حكومة الأمارات على الأصول العمليّة و حكومة الأصول بعضها على بعض- على ما تقدّم بيانه في خاتمة الاستصحاب- و إمّا بأن يكون مفاد أحدهما إدخال ما يكون خارجا عن موضوع الآخر أو إخراج ما يكون داخلا فيه. و قد يرجع مفاد أحد الدليلين إلى التصرّف في عقد حمل الآخر لا في عقد وضعه، كأدلّة نفي الضرر و العسر و الحرج، فانّها تكون حاكمة على الأحكام الأوليّة، مع أنّه لا يرجع مفادها إلى التصرّف
______________________________
[١] أقول: الأولى أن يقال: إنّ قوام الحكومة بنظر أحد الدليلين إلى مفاد دليل الآخر من حيث عقد حمله، إمّا بتوسيط التصرّف في موضوعه بنحو من العناية إخراجا أم إدخالا، أو بلا توسيط هذا التصرّف بل كان ناظرا بدوا إلى تعيّن مفاد دليل الآخر بلا تصرّف فيه بنحو من العناية إلى موضوعه أو حكمه. و من الثاني عموم «لا ضرر» و أمثاله على أدلّة التكاليف، و قد تقدّم أنّ تقديم الاستصحاب السببي على المسبّبي أو على «قاعدة الحلّيّة» و «الطهارة» من هذا القبيل أيضا. و من الأوّل كلّ مورد يكون أحد الدليلين نافيا لموضوع الآخر تعبّدا و تنزيلا، أو مدخلا لغيره فيه كذلك، إذا قوام حكومة هذا اللسان أيضا إنّما هو بملاحظة نظره إلى حكمه المصحّح لتنزيله.
و من هنا نقول: بأنّه قد يقع المعارضة بين إطلاق نظر التنزيل بالنسبة إلى حكم مع دليل ذلك الحكم فيرجع فيه إلى إعمال قواعد الجمع: من الأخذ بأقوى الدليلين. نعم: لو كان في نظره أقوى كان دليل التنزيل مقدما على الآخر و لو كان بينهما عموم من وجه.