فوائد الاُصول - الغروي النّائيني، الميرزا محمد حسين - الصفحة ١٦٣ - الفصل الرابع في دوران الأمر بين الأقل و الأكثر الارتباطي في الشبهة الوجوبية الحكمية في باب الأجزاء
وظيفة الشارع كجعلها، غايته أنّ وضعها و رفعها إنّما يكون بوضع منشأ الانتزاع و رفعه، و هو التكليف بالأكثر و بسطة على الجزء المشكوك فيه، فكما أنّ للشارع الأمر بالمركّب على وجه يعمّ الجزء الزائد، كذلك للشارع رفعه بمثل قوله- صلى اللّه عليه و آله و سلّم «رفع ما لا يعلمون» و نحو ذلك من الأدلّة الشرعيّة المتقدّمة في مبحث البراءة، و بذلك ينحلّ العلم الإجمالي و يرتفع الإجمال عن الأقلّ، و يثبت إطلاق الأمر به و كون وجوبه لا بشرط عن انضمام الزائد إليه.
و لا يتوهّم: أنّ رفع التكليف عن الأكثر لا يثبت به إطلاق الأمر بالأقلّ إلّا على القول بالأصل المثبت.
فانّه قد تقدّمت الإشارة إلى أنّ التقابل بين الإطلاق و التقييد ليس من تقابل التضادّ لكي يكون إثبات أحد الضدّين برفع الآخر من الأصل المثبت، بل التقابل بينهما تقابل العدم و الملكة، و ليس الإطلاق إلّا عبارة عن عدم لحاظ القيد، فحديث الرفع بمدلوله المطابقي يدلّ على إطلاق الأمر بالأقلّ و عدم قيديّة الزائد، و بذلك يتحقّق الامتثال القطعي للتكليف المعلوم بالإجمال، لما تقدّم في المباحث السابقة: من أنّ الامتثال القطعي الّذي يلزم العقل به هو الأعمّ من الوجداني و التعبّدي، إذ العلم الإجمالي بالتكليف لا يزيد عن العلم التفصيليّ به، و لا إشكال في كفاية الامتثال التعبّدي في موارد العلم التفصيليّ بالتكليف.
______________________________
ثمّ إنّ من العجب! تشبّث الماتن بهذا التقريبات في أدلّة البراءة، و صار همّه إثبات وجوب الأقلّ، مع أنّه في فسحة من ذلك بعد بنائه على جريان الأصل في أحد أطراف العلم بلا معارض، إذ حينئذ له إجراء أدلّة الترخيص على ترك الأكثر، و إن لم يثبت به وجوب الأقلّ ظاهرا، و إنّما يحتاج إلى مثل هذا البيان من قال بعلّيّة العلم الإجمالي للتنجّز و انتهاء الأمر فيه بعد الاشتغال إلى تحصيل الفراغ الأعم من الجعلي و الحقيقي، إذ مثل هذا المشرب لا محيص له من إثبات هذه الجهة في جريان البراءة، كي يصير الإتيان بالأقلّ فراغا جعليّا، و حيث نحن قائلين بالعلّيّة و أنّ مثل أدلّة البراءة في باب الأقلّ و الأكثر غير صالحة لإثبات وجوب الأقلّ، لا محيص لنا من عدم التفكيك بين البراءة و الاحتياط عقليّها و نقليّها، و عليك بالتأمّل في أطراف الكلام ترى ما فيها من مواقع النّظر.