فوائد الاُصول - الغروي النّائيني، الميرزا محمد حسين - الصفحة ٧٣٦ - المبحث الخامس في حكم التعارض
و قد استبعد الشيخ- قدّس سرّه- الاحتمال الثاني، بل أحاله عادة، لكثرة الدواعي إلى ضبط القرائن و المخصّصات المتّصلة و اهتمام الرواة إلى حفظها و نقلها، فمن المستحيل عادة أن تكون مخصّصات متّصلة بعدد المخصّصات المنفصلة و قد خفيت كلّها علينا. فيتعيّن الاحتمال الثالث، و هو أن يكون مفاد العمومات حكما ظاهريّا و الحكم الواقعي هو مفاد المخصّصات المنفصلة و قد تأخّر بيانها المصالح أوجبت اختفاء الحكم الواقعي إلى زمان ورود المخصّصات، و قدّم العامّ ليعوّل عليه ظاهرا، فيكون التكليف الظاهري في حقّ من تقدّم عن زمان ورود المخصّصات هو الأخذ بعموم العامّ، نظير الأخذ بالبراءة العقليّة قبل ورود البيان من الشارع، بداهة أنّ بيان الأحكام إنّما كان تدريجيّا، فكما أنّه قبل ورود البيان كان الحكم الظاهري هو ما يستقلّ به العقل: من البراءة و الاحتياط، كذلك كان الحكم الظاهري قبل ورود المخصّصات هو ما تضمّنته العمومات، و الفرق بينهما: هو أنّه في البراءة كان عدم البيان و في العمومات يكون بيان العدم [١].
هذا حاصل ما أفاده الشيخ- قدّس سرّه- في تقريب الاحتمال الثالث و تبعيد الاحتمال الثاني.
______________________________
رأسا، و ليس في البين أيضا تعبد خاص بتقديم التصرف الدلالي على الجهتي، كي يتعدى به إلى المورد.
و حينئذ فلا محيص في المقام من إعمال المعارضة المزبورة بين الجمع و الجهة في الخاصّ المتقدم، فيجري عليه حكم التخصيص، كما أشرنا. و اما في الخاصّ المتأخر فيجري التفصيل الّذي قلنا فيه سابقا، كما لا يخفى، فتدبّر في ما قلت.
[١] لم يظهر لي وجه عدول الشيخ- قدّس سرّه- عن التنظير بالبراءة الشرعية إلى البراءة العقلية، مع ان التنظير بالبراءة الشرعية كان أولى، فانه يمكن ان تكون من بيان العدم لا عدم البيان، فيتحد مفادها مع مفاد العمومات. و الحق انه في العمومات أيضا يكون من عدم البيان لا بيان العدم، فان العامّ إنما يكون حجة في المؤدى بواسطة جريان مقدمات الحكمة في مصبّ العموم، و من جملتها عدم بيان المخصّص، كما أوضحناه في محلّه، فتأمّل جيدا (منه).