فوائد الاُصول - الغروي النّائيني، الميرزا محمد حسين - الصفحة ٦٠١ - الأمر الثالث
و لكن مع ذلك لا يخلو عن مناقشة بل منع، لأنّ قيام الأمارة و الأصل المحرز مقام القطع الطريقي ليس مبنيّا على جعل الموضوع عنوانا كليّا يعمّ الإحراز التعبّدي بتنقيح المناط، و إن ذكرنا ذلك وجها لقيام الطرق و الأصول مقام القطع الطريقي، إلّا أنّه قد تقدّم: أنّه يمكن المناقشة فيه بمنع تنقيح المناط القطعي، بل عمدة الوجه في قيامها مقامه: هو أنّ المجعول في الأمارات لمّا كان الإحراز و الوسطيّة في الإثبات، فتكون حاكمة على الدليل الّذي أخذ القطع في موضوعه، بل قد تقدّم: أنّ حكومتها على الأدلّة المتكفّلة للأحكام الواقعيّة الّتي لم يؤخذ القطع في موضوعها إنّما تكون بتوسّط كونها محرزة لها، فحكومتها على نفس القطع و الإحراز الّذي أخذ في الموضوع أولى و أحرى: فراجع ما ذكرناه في مبحث القطع.
و بتقريب آخر: قيام الطرق و الأمارات و الأصول المحرزة مقام القطع الطريقي إنّما هو بعناية كونها متكفّلة لإثبات مؤدّياتها، فتكون المؤدّيات محرزة ببركة التعبّد بها، و لذلك لم تقم الأصول الغير المحرزة مقام القطع الطريقي، فانّها غير متكفّلة لإثبات المؤدّى، و حينئذ لا يمكن أن يكون بين الأمارات و الأصول ورود، لأنّه يعتبر في الورود أن يكون أحد الدليلين رافعا لموضوع الآخر بنفس التعبّد به لا بعناية ثبوت المتعبّد به.
و لأجل ذلك كانت الأصول الغير المحرزة واردة على الأصول العقليّة، لأنّه بنفس التعبّد بها يرتفع موضوع حكم العقل- بالبيان المتقدّم- و الأمارات إنّما تكون رافعة لموضوع الأصول بعناية ثبوت المتعبّد به فيها لا بنفس التعبّد، لاشتراك الأصول معها في التعبّد، فلا تصحّ دعوى: كون الأمارات واردة على الأصول، بل لا بدّ من كونها حاكمة عليها.
نعم: نتيجة كلّ حكومة هي الورود بعناية رفع الموضوع، كما أنّه بعناية رفع الحكم تكون النتيجة هي التخصيص، فتأمّل جيّدا.