فوائد الاُصول - الغروي النّائيني، الميرزا محمد حسين - الصفحة ٤٨٤ - و أما امتيازها عنه حكما
على الجهة الثانية رتبة و الجهة الثانية متقدّمة على الجهة الثالثة كذلك.
نعم: للعلم جهة رابعة، و هي: كونه مقتضيا للتنجّز عند المصادفة و المعذوريّة عند المخالفة، و هذه الجهة إنّما تكون في عرض اقتضائه الحركة و الجري العملي [١] فالجهة الثالثة و الرابعة ممّا يقتضيهما العلم من الجهة الثانية، و هي: الإحراز و الكاشفيّة.
إذا تبيّن ذلك، فنقول: إنّ المجعول في باب الطرق و الأمارات إنّما هو الطريقيّة و الكاشفيّة و الوسطيّة في الإثبات، بمعنى: أنّ الشارع جعل الأمارة محرزة للمؤدّى و طريقا إليه و مثبتة له، بناء على ما هو التحقيق عندنا: من أنّ الطريقيّة بنفسها تنالها يد الجعل كسائر الأحكام الوضعيّة، بل الطريقيّة أيضا كالملكيّة و الزوجيّة من الأمور الاعتباريّة العرفيّة الّتي أمضاها الشارع [٢] فانّ
______________________________
[١] أقول: و ربما يكون في باب امتثال الأحكام جهة التحريك في طول المحرّكيّة، حيث إنّ العقل لا يحكم بالحركة على وفقه إلّا من جهة تنجيز الحكم به، كما هو ظاهر.
[٢] أقول: الطريقيّة بمعنى تتميم الكشف و تماميّة الانكشاف المساوق لإلقاء الاحتمال بحقيقته يستحيل أن تناله يد الجعل تشريعا، كيف! و حصر الكشف في طرف وجود الشيء و نفي احتمال عدمه الّذي هو معنى تتميم كشفه يستحيل أن يكون بحقيقته جعليّا، و إنّما الجعل فيه بمعنى تنزيل احتمال خلافه منزلة العدم، و هذا المعنى من الجعل قابل لأن يتعلّق بجميع موجودات العالم، و لا يكون مختصا بشيء دون شيء، و هذا بخلاف الحقائق الجعليّة، إذ هي بحقائقها أمور مخصوصة متقوّمة بالجعل، كالملكيّة و أمثالها، و ميزان جعليّة الشيء كون منشأ انتزاع مفهومه الّذي هو عبارة عن حقيقته اعتباريّا منوطا بجعله، كما هو الشأن في الملكيّة، و هذا المعنى أجنبيّ عن مقام تماميّة الكشف و عدم احتمال الخلاف، فانّ منشأ انتزاع هذا المفهوم- كمفهوم الحجر و المدر- ليس إلّا من الأمور الواقعيّة، و إنّما الجعل المتصوّر فيها ليس إلّا في وجوداتها التنزيليّة لا الحقيقيّة، و لذا نقول: إنّ الحجّيّة بمعنى الكاشفيّة لا يكون من الجعليّات إلّا بنحو من العناية و التنزيل.
نعم: قد يتوهّم أنّ الحجّيّة بمعنى المنجّزيّة و القاطعيّة للعذر من الحقائق الجعليّة، كما هو مسلك أستاذنا، و هذا المعنى عنده لا يلازم عناية تتميم الكشف، و لذا لم يلتزم به حتّى في الأمارات فضلا عن الأصول، و لذا لا يلتزم قيام الأمارة مقام العلم الموضوعي مطلقا، و لا يلتزم بحكومة الأمارات على